السيد محمد الصدر

278

منة المنان في الدفاع عن القرآن

وهناك فرقٌ آخر بين عذاب الدنيا وعذاب الآخرة ، وهو أنَّ عذاب الدنيا يكون مشتركاً ، فيعذبون كلّهم دفعةً واحدةً مهما كانت مستوياتهم من الذنوب ، فاليابس يحرق الأخضر كما يعبّرون ، لكن في الآخرة ليس كذلك ؛ فإنَّ الله يوقف كلّ شخصٍ بذاته ، ويحاسبه على ذنوبه بالدقّة المتناهية ، وهذا غير موجودٍ في الدنيا . تلخّص ممّا سبق : أنَّ الله سبحانه وتعالى لم يذكر طعناً على عادٍ وثمود أو إشكالًا عليهما ، ولم يذكر عذاباً لهما ، وفي ذلك تبرئةٌ لهما ، مع العلم أنَّه في الآيات الأُخرى أو السور الأُخرى طَعنَ فيهما وبيّن استحقاقهما للعذاب ، فلماذا كان ذلك ؟ وهذا له أكثر من جوابٍ واحدٍ : الجواب الأوّل : ما كنت أقصده إلى الآن من أنَّ هذه الآيات بالتعيين ليس فيها إشارةٌ إلى ذنوب عادٍ وثمود ولا إلى عذابهم ، بمعنى : أنَّ سورة الفجر بالرغم من أنَّها ذكرت عاداً وثمود ، لكنّها لم تتعرّض إلى ذلك . نعم ، أشارت إلى فرعون ورهطه ، وذكرت ذنوبهم وعذابهم . مضافاً إلى ما ذكرته في الدروس السابقة كأُطروحةٍ من أنَّ قوله تعالى : فَصَبَّ عَلَيْهِمْ رَبُّكَ سَوْطَ عَذَابٍ يعود إلى الجميع ، أي : عادٍ وثمود وفوعون . إذن الأُطروحة القائلة بأنَّ الآية لم تذكر عذاباً لعاد وثمود ليست جزميّةً . الجواب الثاني - وهو أهمّ من الأوّل - : أن يُقال : إنَّ هناك علاقةً بين أوّل هذه الفقرة وبين نهايتها ، والفقرة هي أنَّ هذه الآيات تعرّضت للأُمم السابقة التي سادت ثُمَّ بادت ، من قوله تعالى : أَلَمْ تَرَ كَيْفَ فَعَلَ رَبُّكَ بِعَادٍ إلى قوله : إِنَّ رَبَّكَ لَبِالْمِرْصَادِ .