السيد محمد الصدر
133
منة المنان في الدفاع عن القرآن
كما أنَّه ينبغي الالتفات إلى أنَّ تركيز السورة كلّه على تهديد العصاة والمشركين في قوله : فَسَنُيَسِّرُهُ لِلْعُسْرَى وفَأَنْذَرْتُكُمْ نَاراً تَلَظَّى ومع ذلك يقول : لَا يَصْلَاهَا إِلَّا الأَشْقَى فيخفّف من اللهجة كثيراً ، وهذا نحوٌ من الرحمة ، حتّى لو كان المراد مطلق الشقي ؛ لأنَّنا نعتقد بأنَّ غير الأشقياء أيضاً قد يستحقّون العقاب ، إلّا أن نصطلح أنَّ كلّ من يدخل جهنم فهو شقي ، فتكون قضيّة تكراريّة بشرط المحمول ، وهو بعيدٌ . بل المراد مَن كان شقيّاً بغضّ النظر عن ذلك ، يعني : شقيّ بأفعاله حال كونه في الدنيا . إلّا أن نفهم العهديّة أو التفضيل ، وهو من الحكمة ضدّ الرحمة ، وكلّ رحمةٍ مقرونةٌ بالحكمة . وممّا ينبغي أن يلتفت إليه أنَّ الأتقى موصوفٌ في الآية بقوله : الَّذِي يُؤْتِي مَالَهُ يَتَزَكَّى ، وأمّا الأشقى فغير موصوفٍ إطلاقاً ، والوجه فيه : 1 . تعميمٌ للعذاب وتخصيصٌ للثواب ، إلّا أن تنصرف للأشقى المطلق . 2 . أنَّ الأشقى معروفٌ للناس ، وأمّا الأتقى فلا ؛ لأنَّه عالي المستوى ، فلا يعرفه العامّة منهم ، ومن هنا احتاج إلى تعريفٍ . ويمكن أن يكون تفسيره موضوعيّاً أو طريقيّاً لمجرد التفهيم . ولكنه يكون تفهيماً بالفرد النادر . والظاهر هو الموضوعيّة لكلّ قيدٍ على أيّ حالٍ . ويبقى أن نلتفت إلى أنَّ الظاهر في الأشقى والأتقى هو الجنس لا العهد ، وهما بسياقٍ واحدٍ . فإن قصدنا العهد أمكن الإشارة إلى بعض الأشخاص كعلي وفلانٍ . فإن قيل : إنَّ رسول الله هو الأتقى . قلنا : نعم ، ولكن : أوّلًا : إنَّ عليّاً نفسه . وثانياً : أن يكون المراد غير النبي ، أي : مَن هو دونه في المنزلة .