السيد محمد الصدر
74
منة المنان في الدفاع عن القرآن
كالوجود نفسه ، الذي قال الفلاسفة ببساطته ، وقالوا : إنَّ الله صرف الوجود ، وهو في نفس الوقت لا نهائي العلم « 1 » . سؤال : لماذا خُصّت البسملة بهذه الأسماء الحسنى دون غيرها ؟ « 2 » . وجوابه : قد تحصّل ممّا سبق ، وبحسب فهمي فإنَّ المتعين هو ذكرها دون غيرها . أمّا لفظ الجلالة فلأنَّه الإشارة الرئيسة للذات المقدّسة تبارك وتعالى ، فبسم الله أي : باسم الذات ، فلابدّ من ذكر الذات أوّلًا ، ثُمَّ التنزّل إلى عالم الأسماء . وأمّا الرحمن فلأنَّ رحمته وسعت كلّ شيء ، فهو اسم واسع بسعة الله ، أي : إنَّه أوسع الأسماء على الإطلاق ، وكلُّ اسم آخر فهو أكثر محدوديّةٍ منه أو مثله ، ولا يمكن أن يكون أوسع منه . فقد اختار الله سبحانه في البسملة بعد لفظ الجلالة أوسع الأسماء ، مضافاً إلى أنَّه تعبيرٌ عن الرحمة لا عن النقمة ، ورحمته تقدمت على غضبه « 3 » . وبعد هذين الاسمين العامّين ذكر اسماً محدوداً ، وهو الرحيم ؛ لأنَّه لم يبقَ إلّا الأسماء المحدودة ، فالرحيم لا يشمل جميع الخلق ، بل يشمل المحسنين فقط ، كما قال سبحانه : إِنَّ رَحْمَتَ اللّهِ قَرِيبٌ مِّنَ الْمُحْسِنِينَ « 4 » . واختيار اسم الرحيم من الأسماء المحدودة لمزيّتين : المزيّة الأُولى : مزيّة الرحمة ؛ لأهمّيّتها وتقدّمها على الغضب ، بل على الخلق كلّه ؛ لأنَّ الخلق كلَّه بالرحمة .
--> ( 1 ) أُنظر : المبدأ والمعاد ( لصدر الدين الشيرازي ) : 128 . ( 2 ) يعني : لماذا لم يقل : العليم السميع البصير مثلًا ؟ ( 3 ) أُنظر : مصباح المتهجّد : 696 ، دعاء الموقف لعليّ بن الحسين * ، مهج الدعوات : 99 ، دعاء أمير المؤمنين * ، مزار الشيخ المفيد : 161 ، باب دعاء يوم عرفة . ( 4 ) سورة الأعراف ، الآية : 56 .