السيد محمد الصدر

53

منة المنان في الدفاع عن القرآن

ومعه فلا يمكن السؤال بأنَّ الله تعالى لماذا قال كذا ولم يقل كذا ؟ لأنَّه سبحانه إنَّما يريد أن يوصل المعاني إلينا لا أكثر ، واختياره لهذه الألفاظ يوافق الحكمة والفصاحة والمصلحة التي هي في علمه . وبذلك يندفع كثيرٌ من الأسئلة التي يمكن إثارتها عن التعبير القرآني ؛ لأنَّ جوابها : أنَّ الله تعالى أراد هذا التعبير اختياراً ، وليس لنا أن نناقش فيه . فمثلًا - لمجرّد الإيضاح - : ليس لنا أن نسأل : أنَّه تعالى لماذا جعل آيات سورة البقرة طوالًا وآيات سورة ق قصاراً ؟ أو أنَّه لماذا جعل النسق في السورة الفلانيّة بالنون والأُخرى بالقاف والأُخرى بالميم ؟ وهكذا ، فإنَّها كلُّها أُمور اختياريّة غير قابلة للمناقشة . ومنها : أنَّ قصور اللغة يمكن أن يكون هو المسؤول عن كثير من الظواهر الكلاميّة ، في حين أنَّ التوسّع في اللغة هو الحاجة الضروريّة لكثير من الأُمور ، كالقوافي الشعريّة والسجع ولزوم ما لا يلزم ، كما في لزوميّات المعرّي ومقامات الحريري وغيرها ، فإذا لم يوجد في صدد معيّن إلّا ثلاث كلمات أو أربع اضطرَّ المتكلّم إلى حصر حديثه في نطاق ضيّق أو إلى تكرار العبارات نفسها لإتمام مقصوده ، وهذا هو الذي اعنيه من قصور اللغة . وهو بابٌ واسع قد لا يقتصر على هذا المجال . ولعلَّ هذا هو الذي يفسّر لنا عدداً من ظهور النسق القرآني ، أعني : نهايات الآيات أو الروي وهو ما قبل النهاية ، كتكرار لفظ الناس في سورة الناس ، والتكرار في سورة ( ق ) و ( ص ) وغيرهما ، ومن ذلك تغيّر النسق في سورة مريم بمقدار ستّ آيات ونحو ذلك . فإن قلتَ : ولكنَّ الله تعالى قادرٌ على كلّ شيء ، فهو قادرٌ على أن يوجد