السيد محمد الصدر

195

منة المنان في الدفاع عن القرآن

ولذا ورد بصيغة المضارع تارةً ، وبصيغة الماضي تارةً أخرى ؛ فإنَّ عبادةً كهذه تكون بحسب الشهوة والمصلحة الدنيويّة ، فيعبد شيئاً في الماضي ، ثُمَّ يعبد شيئاً آخر في المستقبل ، وهكذا . الأمر الثاني : أنَّ قوله تعالى : لَكُمْ دِينُكُمْ وَلِيَ دِينِ يُعَدُّ تكراراً بحسب المعنى العامّ للسورة ، ويفيد التأكيد تأكيداً . وبحسب البلاغة ينبغي تغيير العبارة بتغيير اللفظ ، فهو بمنزلة النتيجة للمقدّمات التي سبقته ، يعني : بما أنّكم لا تعبدون ما أعبد وبما أنَّي لا أعبد ما تعبدون ، إذن لكم دينكم ولي دين . وهنا يرد السؤال : أنَّه قد يستشعر من ذلك إمضاء أديان الكافرين ، وسيأتي جوابه عند الحديث عن هذه الآية الكريمة . هذا كلّه بالنسبة إلى المضمون العامّ للسورة ، وهو التكرار ، وندخل الآن في تفاصيل السورة ضمن الأسئلة الآتية : سؤال : لماذا قال : يَاأَيُّهَا ، ولم يقتصر على حرف النداء ، أو على أحد هذين اللفظين ؟ جوابه : حسب فهمي أنَّ ( يا ) للنداء : إمّا ( أيّها ) فهي ليست للنداء ، بل هي وصلة وتسبيب لدخول حرف النداء ، فلا تصلح للنداء وحدها ، وإن حصلت وحدها كانت بتقدير الحرف قبلها لا محالة . فمدخول ( يا ) هو كل كلمة خالية من الألف واللام ، أمّا المعرَّف بها فلا يمكن أن يكون مدخولًا لها ، فتأتي ( أيُّها ) لأجل التوصّل إلى ذلك . وهذا بحسب الذوق العربي واضحٌ ، وبحسب استقراء الاستعمالات القرآنية أنَّ ( أيُّها ) لم تأتِ مفردة ، وإنّما جاءت مدخولًا لحرف النداء .