السيد محمد الصدر

196

منة المنان في الدفاع عن القرآن

إذن فلا بد من وجود الاثنين ، ولا يمكن الاستغناء بأحدهما عن الآخر . سؤال : هل إنَّ ظهور القرآن في هذه السورة يدلُّ على الجبر ؟ هذه الشبهة مأخوذة من بعض ما قلناه ، وما قاله صاحب ( الميزان ) ( قدس سره ) ، فلابدَّ من ذكر المقدمات لفهم هذه الشبهة ، ومن ثمّ الإجابة عليها . المقدّمة الأُولى : الظهور في الشأنيّة ، وهذا ما قلناه من : أنَّ شأن الكافرين أن لا يؤمنوا وأن لا يعبدوا ما يعبد الرسول ( ص ) ، وهو التوحيد ، وليس المراد الفعليّة والعمل والسلوك ، بل المراد من شأنهم حالهم وديدنهم ؛ فإنَّ الحال والديدن من قبيل اللازم الذي يصعب تغييره ، وهذا يعطي إشماماً بالجبر . وأوضح منه : المقدّمة الثانية : وهو ما ذكره صاحب ( الميزان ) ، وهو من غرائبه ( قدس سره ) ؛ حيث قال : ( لا اعبد ) نفيٌ استقبالي ؛ فإنَّ ( لا ) لنفي الاستقبال ، كما أنَّ ( ما ) لنفي الحال ، والمعنى : لا أعبد أبداً ما تعبدون اليوم من الأصنام « 1 » . أقول : فيكون المعنى على هذا التقدير : أنَّ النبي ( ص ) سوف لن يعبد ما يعبد الكفّار ، وهو صحيحٌ ، ولكن العكس لا يصحُّ ، أي : إنَّ الكفّار سوف لن يعبدوا الله تعالى ، فظهور ( لا ) للتأبيد والاستقباليّة المؤبّدة مشعرٌ بالجبر . فهل هذا صحيح ؟ جوابه : أنَّ القرآن غير ظاهرٍ بالجبر ؛ وذلك على عدّة مستويات : المستوى الأوّل : أنَّ المراد بالكافرين : إمّا الكلّي أو الجزئي ؛ لأنَّ الألف واللام : إمّا جنسيّة أو عهديّة : فإن أُريد الجنس ، دلَّ على امتناع دخول كلّ الكفّار في الإسلام ، وهو غير محتمل ، بل دخولهم حاصل ، وكلُّ ما هو حاصلٌ ممكنٌ ، كما قيل : أدلُّ دليل على إمكان وقوع الشيء حصوله . فمنشؤه باطلٌ

--> ( 1 ) الميزان في تفسير القرآن 374 : 20 ، سورة الكافرون .