محمد جواد مغنية

83

معالم الفلسفة الإسلامية ( نظرات في التصوف والكرامات )

أسباب المعرفة النظرية لقد تعددت أقوال الفلاسفة حول منابع المعرفة ومصادرها ، فمن قائل بأنه لا مصدر للمعرفة ابدا ، حيث لا يمكن الوثوق بشيء يحصل منه العلم الصحيح ، وهؤلاء هم السفسطائيون . ومن قائل بأن مصدر المعرفة الاتصال المباشر فقط ، كما ذهب اليه المتصوفة . ومن قائل بأنه العقل دون سواه ، وهم المثاليون . وقائل بأنه العقل والتجربة . . إلى غير ذلك من المذاهب . وسنتكلم عن كل من السفسطائيين والمتصوفة في فصل مستقل ، وقبل ان نشير إلى منهج الذين يعتمدون العقل فقط ، أو التجربة فقط نمهد بما يلي : رأى جماعة من الفلاسفة ان في الكون ظواهر عقلية ، وظواهر مادية ، ثم رأوا ان حقيقة كل منهما تباين حقيقة الأخرى ، لأن من شأن العقل ان يدرك ويفكر ، والمادة لا تعقل ولا تفكر . وقد تولد من هذا التباين مشكلة فكرية ، وهي : ما دام العقل والمادة متباينين فكيف يستطيع العقل أن يعرف المادة ؟ ! وهل من الممكن أن يدرك الضد ضده ؟ ! وقد حل المثاليون هذا الاشكال بأن حولوا الكون بكامله إلى عقل ، واعتبروا وجود الطبيعة وجودا عقليا لا ماديا . . وعكس الماديون الامر فارجعوا العقل إلى المادة ، وقالوا : ان المعرفة نفسها ليست الا اهتزازا في ذرات المخ والجهاز العصبي « 1 » . وعلى كل من القولين يكون العقل والطبيعة من سنخ واحد ، وتنحل المشكلة . وبهذا يتبين معنا : لماذا حصر المثاليون سبب المعرفة بالعقل وحده ، والماديون بالتجربة وحدها . والحقيقة ان أسباب المعارف الاستدلالية لا تنحصر بالتجربة والمشاهدة ،

--> ( 1 ) المذهب المادي قديم يقدم الفلسفة ، ومن اتباعه ابيقور ( 270 ق م ) وقد قارم سقراط وأفلاطون وأرسطو النزعة المادية .