محمد جواد مغنية

84

معالم الفلسفة الإسلامية ( نظرات في التصوف والكرامات )

ولا بالعقل أو النقل ، ولا بالوثائق والآثار ، بل تشمل هذه جميعا . ولو اختصرت أسباب المعرفة بشيء واحد للزم أيضا أن تكون أشياء الكون عندنا علما واحدا فقط لا علوما متعددة - مع أن لدينا علوما شتى ، يبحث كل علم منها بموضوع خاص يميزه عن غيره . فالعلوم الطبيعية منها ما يبحث في ظواهر المادة الجامدة ، كعلم الفيزياء والكيمياء ، ومنها يبحث في الكائنات الحية وتطورها ، كعلم الحياة . والعلوم الطبيعية بجميع أقسامها تعتمد التجربة والمشاهدة ، لذا يحتاج العالم الطبيعي إلى المختبرات والآلات . أما الرياضيات فتبحث في أمور مجردة ، كالأعداد والأشكال الهندسية ، وأكثر اعتمادها على العقل ، لذا يكتفي الرياضي بقلمه وقرطاسه . وتبحث العلوم التاريخية والاجتماعية في الانسان ومظاهر الحياة البشرية وتطورها . وهي تعتمد الوثائق والآثار ، وملاحظة العلاقات المشتركة بين الناس ، واستقراء الحوادث الاجتماعية . أما علوم اللغة ، وهي فرع من العلوم الاجتماعية فتبحث في مفردات الألفاظ ، وتراكيبها وقوانينها ، وتعتمد على النقل والعرف . ان هذه الأسباب بأجمعها نؤدي إلى المعرفة ويصدق كل واحد منها في مجاله الخاص . هذا مع العلم بأنه لا غنى للتجربة في الطبيعيات عن العقل ، ولا للعقل في الرياضيات عن التجربة ، فكثيرا ما يطابق الرياضي بين شكلين هندسيين . بل لا غنى عن العقل في جميع الأسباب . وإذا دل هذا على شيء فإنما يدل على وجود صلة بين العقل والمادة بنحو من الأنحاء على ما بينهما من التباين والتباعد . وبالتالي ، فان الواقع أعم مما تناله التجربة الحسية والتفكير العقلي ، ونقل الثقات ، بل يشملها جميعا . القياس والاستقراء والتمثيل ان الذين تتبعوا أقوال من تكلم في أسباب المعرفة قديما وحديثا ،