محمد جواد مغنية

74

معالم الفلسفة الإسلامية ( نظرات في التصوف والكرامات )

النفس عند وجود الأبدان بعد وحدتها ، لأنها مجردة عن المادة ، والمجرد لا يقبل النجزئة والانقسام . هذا إذا كانت واحدة في الأزل ، وقبل وجود الأبدان . أما إذا كانت متكثرة فلا بد أن تمتاز كل نفس عن صاحبتها بالماهية ، أو باللوازم والعوارض ، وإلّا لم يتحقق التعدد والتكثر . وكلا الافتراضين باطل . أما افتراض تعددها بالماهية فلأن النفس الانسانية متحدة بالنوع اتفاقا ، ويستحيل تعددها ذاتا . وأما افتراض تعددها بالعوارض فلأن العوارض انما تحدث بسبب وجود المادة ، ولا وجود للمادة قبل الأبدان ، فلا تعدد ، اذن ، بالعوارض كما لا تعدد بالماهية . فيمتنع ، والحال هذه ، وجود النفس قبل وجود الأبدان ، وبالتالي يبطل القول بقدمها . هذا بالإضافة إلى الأدلة التي أوردناها على حدوث العالم . وذهب أفلاطون ومن تابعه إلى أن النفس قديمة ، وهذي إحدى المسائل التي وقع الخلاف فيها بين أرسطو وأفلاطون . ومن أدلة القائلين بقدم النفس انها لو كانت حادثة لكانت غير دائمة ، مع أنها باقية إلى الأبد كما ثبت بالبرهان . . وكل ما هو أبدي فهو أزلي . وأجاب صاحب الاسفار عن ذلك بأن النفس أبدية من حيث ذاتها المجردة ، وغير أبدية من حيث مفارقتها للبدن بالموت ، وهذا كاف لتبرير حدوثها ، وعدم أزليتها . مصير النفس اتفق الفلاسفة والمتكلمون على أن النفس باقية بعد مفارقتها للبدن ، ولكنهم اختلفوا في نوع الدليل الدي دل على أنها باقية إلى الأبد . فقال المتكلمون : انه السمع ، وزعم الفلاسفة أنه العقل . ويتخلص دليل المتكلمين بأن فناء البدن لا يوجب فناء النفس ، ولا بقاءها ، ومجرد كونها مدبرة له ، ومتصرفة فيه لا يستدعي شيئا من ذلك . والعقل لا يلزم بالبقاء ولا بالفناء ، بل يترك الامر في ذلك إلى الشرع . وقد نص القرآن