محمد جواد مغنية
35
معالم الفلسفة الإسلامية ( نظرات في التصوف والكرامات )
تمايز الأعدام مفهوم العدم واحد لا تعدد فيه ، تماما كمفهوم الوجود من هذه الجهة ، ولكن وقع النزاع : تتمايز الاعدام بلحاظ ما تضاف اليه ، كما تتمايز الوجودات بلحاظ ما تعرض له من الكائنات ؟ . . قال جماعة : لا تمايز بين الاعدام ، لان التميز فرع الثبوت والتحقق ، والعدم نفي محض لا تحقق له ولا يشار اليه . وأثبت آخرون التميز ، لأن عدم المعلول يستند إلى عدم علته الخاصة - مثلا - : عدم البعوض سبب لعدم الملاريا ، فتنسب عدم الملاريا إلى العدم الخاص ، أي إلى العدم المنسوب إلى البعوض . والنسبة إلى الخاص تستدعي التميز ، فكما ان مفهوم الوجود واحد ، ويتعدد بعروضه للانسان والفرس - كذلك مفهوم العدم فإنه واحد ، ويتميز بنسبته إلى أشياء خاصة . وبكلمة ثانية : نحن نعرف أمورا معدومة مثل : لا حر في الشتاء ، ولا برد في الصيف ، وكل معلوم لابد أن يكون متميزا ، فالاعدام متميزة . وهنا حقيقة ذكرها المتكلمون والفلاسفة ، وهي ان عدم العلة سبب كاف لعدم المعلول في الخارج بحيث يكون عدم العلة علة للعدم ، أما عدم المعلول فلا يكون سببا لعدم العلة ، وانما يكون كاشفا عن عدمها ، فعدم البعوض سبب بذاته لعدم الملاريا ، ولكن عدم الملاريا ليس سببا لعدم البعوض ، وانما السبب لعدم البعوض هو عدم وجود المستنقعات . أجل ، يستكشف العقل من عدم الملاريا عدم البعوض ، أي ان عدم الملاريا علة للكشف عن خلو المنطقة من البعوض ، وليس سببا حقيقيا لانتفاء البعوض في الخارج . ثم إن الاستدلال بعدم العلة على عدم المعلول ، وبوجودها على وجوده يسمى برهانا « لميّا » حيث يسأل عن العلة « بلم » . أما الاستدلال بعدم المعلول على عدم العلّة فيسمى برهانا « إنيّا » ، لأنه يفيد الثبوت والاكتشاف . ولفظة « انّ » تفيد الثبوت والتوكيد .