محمد جواد مغنية
26
معالم الفلسفة الإسلامية ( نظرات في التصوف والكرامات )
إلى عدم منافاته للفلسفة ، كما سنرى في مسألة حدوث العالم وقدمه ، حيث قال الفلاسفة بالقدم ، ووجهوا الدين القائل بالحدوث على وفق الفلسفة . ومهما يكن ، فان الوحي لا يخرج عن نطاق العقل عند كل من الطرفين ، فان محاولة التوفيق بينهما اعتراف واضح بأن الدين يجب ان لا يخالف العقل في شيء . وهذا عكس الرأي القائل بأن كلا منهما في معزل عن الآخر « 1 » .
--> ( 1 ) هل يمكن ان يؤمن العقل بشيء يثبت الدين عكسه ؟ الجواب ان رجال الدين في ذلك بين افراط وتفريط ؛ فمنهم من قال نعم ان الدين يطلب من الناس الايمان بأشياء لا يقرها العقل ويحكم بكذبها . ومنهم من قال : ان مسائل الدين كلها تؤخذ من العقل بحيث إذا لم يدركها فليست من الدين في شيء . وهذا خطأ حيث يصبح الدين والحال هذه طرفا من الفلسفة لا داعي اليه بالمرة . والحق هو القول الوسيط الذي ذهب اليه المحققون من أقطاب الدين كتوما الا كويني ، ونظرائه من علماء المسلمين وهو ان الدين يثبت ما لا ينكره العقل ولا يقول بعكسه ، أعم من يدرك مسألة الدين ويثبتها كوجود البارىء وحسن الصدق النافع أو لا يثبت ولا ينفى كالعبادات وبر الوالدين وما إلى ذلك ، والنتيجة المنطقية لهذا القول المعتدل انه ليس كل حق قابلا للاثبات بالعقل ، ولا كل ما لا يثبت بالعقل فهو باطل ، بل قد يكون الحق قادرا على الادراك والمعرفة والاثبات ، ولا يقف موقفا حياديا فالشرط فيما يعود إلى الدين ان لا ينكر العقل مبادئه ويقف موقفا سلبيا . ( راجع توما الأكويني لضومط تحت عنوان : التوفيق بين الحكم والشريعة ) .