السيد الخميني

46

صحيفة الإمام ( تراث الإمام الخميني )

ولكن الذي جعل من إبراهيم شخصية عظيمة هو السير والسلوك الذي تفضّل به والذي انتهى إلى هذه الأمور . إبراهيم الذي بحسب رواياتنا الشريفة حين كان يتوجه صوب النار ، سألته الملائكة عما إذا كان في حاجة إلى شئ قال : أمّا إليكم فلا . كانت لديه وجهة أخرى من العلم والمعرفة ، ونحن نرى ظاهر هذا العمل ونعجب له وهو أمر عجيب حقاً ، أمّا أهل المعارف الإلهية فيرون باطنه ، الأصل في أعمال الأنبياء على الاطلاق هو الجوهر . الصورة والشكل تتفق مع أعمالنا بحسب النوع . أولئك يصّلون ونحن نصلي ، أولئك يصومون ونحن نصوم كذلك ، أولئك يحجّون ونحن نحجّ أيضاً ، أولئك يضحّون ونحن نضحّي كذلك ، يقفون في المواقف ونحن نقف كذلك ، هذه صورة مشتركة بيننا وبينهم . لكن الشيء الذي يجعل أعمالنا تختلف عن أعمالهم ، - كما تختلف أعمال بعضهم عن بعض - ، هو جوهر العمل الذي يستلهمونه من المبدأ ، وأعمالهم هذه مستمدّة من ذلك الإلهام . مسألة الوحي الذي لدى الأنبياء - وهذا متفاوت بينهم أيضاً - واحدة من الأمور المهمة التي لا يتمكن الإنسان من تصوّر ماهيّتها فالوسيط هو جبرائيل ، ولكن اي وساطة وواسطة كان ينجزها جبرائيل ؟ هل أنزله للنبّي وبولايته نزل ؟ هل نزل الوحي مع جبرائيل وقام جبرائيل بإبلاغه ؟ هذه هي المسائل التي يدور الحديث حولها . معنى العيد من منظار الأنبياء إنَّ قضية التضحية بالولد تمثل إحدى الأبواب التي ترتبط برؤية النوع البشري ، وهي قضية مهمة لكن الشئ الذي يكون مبدأ هذا العمل هو الذي يحقق المقابلة بين الأب والابن . هذه هي أمور قلبية وروحية ومعنوية وهي فوق الأمور التي نفهمها نحن . إننا نقول : إنه آثرَ وضحّي وقد حصل هذا حقّاً وهو أمر مهم ولكن هل كان هذا في نظر إبراهيم ( ع ) إيثاراً ؟ وهل كان يرى أنه يقدم شيئاً عظيماً إلى الله ؟ هل كان إسماعيل ( سلام الله عليه ) ، يري أنه يقدم نفسه فداءً لله ؟ أم أن الأمر ليس كذلك . فما دامت الإنسانية موجودة والإنسان نفسه موجوداً فالإيثار موجود باسمه . أنا أضحّي بابني في سبيل الله ، أضحّي بنفسي في سبيل الله . هذا هو المهم بالنسبة لنا ومهم جدّاً ، أما بالنسبة لإبراهيم ( ع ) فليس هذا بالأمر المهم ولايعتبره إيثاراً . إبراهيم لم يجد نفسه شيئاً ليعتبر عمله تضحية . إسماعيل لم يعتبر نفسه شيئاً ليرى عمله إيثاراً وتضحية . الإيثار معناه أني موجود وأنت موجود وعملي من أجلك ومن أجل الإيثار . هذا في نظر العظماء وأهل المعرفة وأولياء الله شرك ، وفي نظرنا نحن - في الوقت نفسه - كمال كبير وإيثار عظيم .