السيد الخميني

59

صحيفة الإمام ( تراث الإمام الخميني )

تذوب يدي في يده وكنت اعرف من ذلك شدة قوته . اما اليوم ، فإني أحس بشدة ضعفه عندما يصافحني ، فكيف يصالحك من ألقيته في السجن عشر سنين أو خمسة عشر عاماً ، لقد جعلت الشباب شيباً والأصحاء مرضى ، فكيف يمكن إصلاح ذلك ؟ ! وهل يكفي مجرد قولك : عفوت عنهم ؟ ! تباً لك إذ تقول : عفواً ، فما معنى العفو هنا ؟ وأي حق كان لك لكي تتنازل عنه ؟ العفو يصدق بشأن من ارتكب جرماً ، فما هو ذنب هؤلاء الذين حبستهم ، وضيعت خمسة عشر عاماً من أعمارهم لكي تقول : لقد عفوت عنهم ؟ ! أي خطأ فظيع ترتكبه بادعائك العفو ، وما معنى هذا الادعاء ؟ ولماذا قمت بذلك أساساً ؟ ! هذا هو السؤال الأساسي ، لقد ارتكبت منذ البداية عملًا منحرفاً ، ولم يكن سليماً ، لكي يكون عفوك سليماً . فماذا كان ذنبهم لكي تعفو عنهم الآن ؟ ان جرمهم هو أنهم أدركوا خطورتك ، فاعترضوا بكلمة ، وجرم بعض هؤلاء السادة الذين قضوا في السجن عدة سنين هو أنهم - كما نقل - كانوا يساعدون أسرة أحد السجناء دفعاً للمشقة عنها ! ان جرم هؤلاء الذين تصفهم بأنهم مجرمون سياسيون هو أنهم اعترضوا على ظلمك وقمعك الشامل ، وقالوا لك : لماذا تستعبد الشعب بهذه الصورة ؟ اعترضوا على خياناتك وسألوا : لماذا تقدم كل ما نملك لأميركا ؟ ! فهل يرتكب جرماً من يطرح هذه الأسئلة ، ويقول : أعطنا الحرية ، نحن نريد الاستقلال ، نريد أن يكون وطننا لنا لا للأجانب ، نريد أن نعيش أحراراً ، وأن تكون صحافتنا حرة وإذاعتنا واعلامناً حراً ؟ ! هل هذا جرم لكي تعتقل مرتكبيه وتلقيهم في السجن وتضيع أعمارهم ؟ ! وبعد ان دمرت شبابهم وصحتهم تأتي اليوم لتسمي إطلاق سراحهم عفواً . إن شئت فتب ، فلا فائدة من توبتك الآن ، لأن التوبة يجب أن تكون منسجمة مع الموازين والشروط التي لا يقبل الله - تبارك وتعالى - توبة أحد دون تحققها ، فلا يقبل التوبة دون أداء حقوق الناس ، ولن يقبل توبتك ما لم تؤدها ، فهل أنت قادر على ذلك ؟ ! هل تستطيع تعويض سجين واحد قضى في السجن عشرة أعوام ضاع خلالها شبابه ، لكي تتحقق توبتك ؟ ! وإلا فما معنى التوبة ؟ ! انك عاجز عن أن تتوب ، ولست جديراً بأن يقبل الله توبتك . التوبة ترتبط بحقوق الناس التي لا يعفو الله - تبارك وتعالى - عن أحد إلا بردّها إلى أهلها ، إذا استطعت ان تعوض وتؤدّي حق أحد من هؤلاء الذين عذبتهم بتلك الصورة ، وقطعت أرجلهم بالمناشير ، وحرقتها ، ووضعتها في الزيت المحمي ، وألقيتهم على الصفائح المحمية ، وأجريت في أجسامهم الصعقات الكهربائية ، وحرقتهم إذا استطعت القيام بذلك - ولن تستطيع - فقل حينئذ : لقد أخطأت فاعفوا عني ! ثم ، ألن تكرر هذه ( الأخطاء ) مستقبلًا ؟ ! فهل تصدق فيما تقول اليوم لو غضضنا النظر عما سبق ولن تكرر أخطاءك ، أو أن الامر لا يتجاوز حدود القول المجرد ؟ ( الآن وقد عصيت قبل وكنت من المفسدين ) « 7 » . أنت مفسد من المفسدين ، فاسد ومفسد أفسدت البلد ، ودمرت الشعب ، وهذه جنايات ليست هينة ، لقد ضيعت طاقات البلد المتمثلة في شبابنا وهم ذخائره ، وأتيت اليوم لتقول : إني أخطأت !

--> ( 7 ) سورة يونس / الآية 91 .