السيد الخميني

24

صحيفة الإمام ( تراث الإمام الخميني )

منه ؟ أنه المقدار ذاته الذي يصل مشامنا في هذه الدنيا . إنها ريحنا نحن ، وكل ما يجري في الثانية علينا أساسه عملنا في هذه الدنيا ، عملنا الذي لحقنا في الثانية ، فلا نجزى هناك بغير أعمالنا . فحينما يكون أحد المعممين مفسداً بحيث يعرض حوزة بكاملها إلى الخطر ، فإن ريحه النتنة ستنتشر على رقعة تعادل حوزة بكاملها ، بل أمة كاملة ، وهي ذات الريح النتنة التي تعجز شامتنا الآن عن تحسسها ، في حين أن المشام ستتحسس بها حينما نلقى في جهنم - لا سمح الله - بحيث تصبح هذه الريح - التي صعدت من هذا العالم بسبب أعمالنا - مؤذية لأهل جهنم . في نفس الرواية ورد أن " أشد الناس حسرة " « 1 » هم أولئك الذين يدعون الناس إلى الخير والصلاح فيستجيبون لهم ، ويعملون بقولهم ، حتى ينتهي بهم الأمر إلى الجنة والى النعيم ، في حين ينتهي الامر بذلك العالم الذي لم يعمل بعلمه إلى جهنم ! ولعله يرى هؤلاء في الثانية . يرى مثلًا أن هذا كان بقالًا ووصل بفضل إرشاده وأوامره ونواهيه إلى الجنة ، في حين أنه هو لم يعمل بعلمه ، فدخل النار ، ويالها من حسرة حينئذ ! إن مسؤوليات العالم كثيرة جداً ، كثرة المديح الوارد في الأحاديث الشريفة والقرآن الكريم لمقام العالم . . راجعوا ما وردت الإشارة اليه من مسؤولياته في رواياتنا الشريفة ، راجعوا كتاب " الكافي " وكتاب " الوسائل " وتأملوا في الأبواب والفصول التي خصصت لهذا الموضوع . راجعوا بالأخص " الأصول في الكافي " وانظروا المسؤوليات التي أنيطت بالعالم ، وبأهل العلم ، واطلعوا على الآداب التي سنت للمفيد والمستفيد . إخواني ، إن هذه " المصطلحات " التي نقرأها وبال علينا . يعلم الله أنها كذلك ، يعلم الله أن هذه " المصطلحات " كلما كثرت دون أن يرافقها تهذيب للنفس ، فإنها ستؤدي إلى ضياع الدنيا والثانية للمجتمع الاسلامي باسره دون أن يكون لها بذاتها أثر يذكر . علم التوحيد بحد ذاته إذ اقترن بهوى النفس فإنه سيصبح وبالًا على الانسان ، وما أكثر أولئك الذين أتقنوا علم التوحيد ، ثم أضلواالخلائق ! وحرفوا الآخرين ، في حين انهم كانوا علماء بعلم التوحيد ! ما أكثر أولئك الذين فاقوكم علماً ، لكنهم تسببوا في انحراف المجتمع كلياً - بمحض اتصالهم به - لما كانوا يحملونه من الانحراف في داخلهم . من الأمور التي ينبغي عدم الغفلة عنها ، حساسية وضع العالم بالنسبة لغيره ، والسرّ في ذلك هو أن الناس يحكمون هكذا ، فهم يقولون عن " البقال " إنه انسان سيئ لو ارتكب معصية ما أو مخالفة ما ، وهكذا بالنسبة للعطار أو الموظف أو ما شابههم ، لكنهم إذا رأوا مخالفة من معمم فإنهم يقولون : المعممون كلهم هكذا ! لا يقولون : بأن هذا المعمم ( كذا ) ، فهم في هذه الحالة لا يميزون ولا يفرقون بين المعممين . لا يقولون مثلًا أن هؤلاء المعممين هم بشر أيضاً ، وفيهم الصالح والطالح - نعوذ بالله - أبداً ، لا تمييز في النظر إلى المعممين . إذا اقترفت أنا عملًا سيئاً قالوا : إن المعممين كذا ! والضرر في هذا يعود على الاسلام ، وعلى الحوزات العلمية الدينية ، وعلى أحكام الاسلام . إذا قمتم بتسقيط بعضكم البعض هكذا ، وإذا اشتبكت الجامعات العلمية فيما بينها ، وحاولت إحداها تسقيط الأخرى ، وقام البعض بقذف البعض الآخر بشائن الالفاظ وفسقّه وكفّره ، ثار

--> ( 1 ) عن الإمام الصادق ( عليه السلام ) قال : " أشدُّ الناس حسرةً يومَ القيامةِ مَنْ وَصَفَ عَدْلًا ثم عَمِلَ بغيره " .