السيد الخميني

23

صحيفة الإمام ( تراث الإمام الخميني )

على وجود أياد تهدف إلى تصعيد الخلافات لتثير في الحوزات فوق ما هو موجود فيها تدهوراً وأضطراباً باسم الجبهة الفلانية ، والجبهة الكذائية ، وما يستتبع ذلك من نتائج سيحصلون عليها أولئك الذين يهدفون إلى القضاء على الحوزات التي يعتبرونها ضارة بمصالحهم . إذا كان هذا هو وضع جماعتنا ، فإن الشعب لن يأسف على ما سيحدث لكم ، ولسوف يقولون : إن وضع هؤلاء كان هكذا ، فوصلوا إلى هذا الحد الذي ترون . أحد الشبان الذي كان قد قدم من أوروبا جاء وبقي هنا حوالي الأسبوع ، بقي هنا مدة قصيرة جداً ، جاء للقائي مرة أو مرتين ، قال لأحدهم - لم يقل لي أنا ، بل قال لأحد الروحانيين - : حسناً كان أن الذي جاء للنجف هو أنا ، فأنا ابن أحد العلماء وأستطيع أن أقدر الموقف ، ولو أن شخصاً غيري جاء وأبصر هذا الوضع فماذا سيكون رد فعله ؟ يا للأسف ! إني لا أعلم ما الذي عاينه هذا الطالب الجامعي - الدارس في الخارج - في هذه الحوزة المباركة ، وهو ليس روحانياً مثلنا - وإن كان أبوه عالماً - ما الذي رآه خلال هذه الأيام القلائل ؟ وبأي أشخاص التقى ؟ وما الذي نقله اليه هؤلاء ، حتى جعله - وهو الطالب الغريب عن أجوائنا - أن يبدي أسفه على وضع النجف ، ويتساءل عن علة هذا الوضع ؟ إذا كان في الامر ثمة أياد هي التي دفعتكم إلى القول " أنا من الجبهة الكذائية " و " زيد من جبهة كذا " و " ذلك من جبهة كذا " وهي التي جعلتكم جبهات مختلفة ، حتى في المدرسة الواحدة ، إذا صح هذا الأمر - لا سمح الله - فإن انفجاراً سيقع في إحدى المدارس ذات يوم ، ويسري منها إلى المدارس الأخرى ، ومن هذه الفئة إلى الفئات الأخرى ، والأيادي الآثمة هي التي تضرم الفتنة تلك ، وتزيد من اشتعال هذه النيران ، وبالنتيجة وعلاوة على أننا سنبدو كذلك في الدنيا ، وعلاوة على انهيار النجف واضمحلالها ، فأن الأمر سوف لا يقتصر عليَّ وعليكم ، بل سيشمل حوزة دينية ناهز عمرها الألف عام وسيشمل أشخاصاً متدينين - وهم بحمد الله كثر - أولئك أيضاً يسقطون في نظر المجتمع ايضاً ، وفوق كل ذلك فماذا سيكون عذرنا امام الله تعالى ؟ ! ورد في الحديث أن " أهل النار يتأذون من ريح العالم التارك للعمل بعلمه " « 1 » فما السبب في ذلك ؟ لابد أن ذلك بسبب الفرق بين العلم وغير العالم ، ومن عدة جوانب . فالعالم إذا انحرف - لا سمح الله - فإنه يتسبب في انحراف أمة بكاملها . أنا شخصياً رأيت هذا المعنى في بعض المدن التي كنا نذهب إليها أيام الصيف ، فقد كنت أرى أهالي بعض المدن يتمتعون بمستوى رفيع من التمسك بآداب المجتمع هناك ، وآداب الشرع ، كما في مدينة ( محلات ) . وبقليل من التأمل يكتشف الإنسان أن السبب في ذلك هو وجود عالم جيد في تلك المدينة . إن وجود مجموعة من المعممين الجيدين المهتمين بأمر الدين ، العقلاء العاملين بعلمهم في أي مجتمع أو مدينة ، يكون بحد ذاته موعظة ، حتى وإن لم يقوموا بوعظ الناس . رأينا أمثال هؤلاء ممن كان نفس وجودهم يؤثر في الناس ، كما في ( قم ) فقد كان هناك بعض العلماء ممن كان مجرد النظر إليهم يترك أثراً وعظياً في النفس . من جانب آخر نرى مثلا في طهران ، حيث أني على اطلاع باحوالها إلى حد ما ، ثمة مناطق متباينة . إذ ترى في إحدى مناطقها أن شخصاً منحرفاً أصبح معمماً أو إمام جماعة ، فأدى إلى انحراف طائفة من الناس . فما هو مقدار الريح النتنة التي تنبعث

--> ( 1 ) أصول الكافي ، ج 1 ، ص 44 .