أبو علي سينا
308
الإشارات والتنبيهات ( شرح نصير الدين الطوسي وشرح شرح الرازي ) ( نشر الكتاب )
أسبابه الجزئية - وإحاطة العقل بها وتعقلها كما تعقل الكليات - وذلك غير الإدراك الجزئي الزماني - الذي يحكم أنه وقع الآن أو قبله - أو يقع بعده - بل مثل أن تعقل أن كسوفا جزئيا - يعرض عند حصول القمر - وهو جزئي ما وقت كذا - وهو جزئي ما في مقابلة كذا - ثم ربما وقع ذلك الكسوف - ولم يكن عند العاقل الأول إحاطة بأنه وقع أو لم يقع - وإن كان معقولا له على النحو الأول - لأن هذا إدراك آخر جزئي - يحدث مع حدوث المدرك ويزول مع زواله - وذلك الأول يكون ثابتا الدهر كله - وإن كان علما بجزئي - وهو أن العاقل يعقل أن بين كون القمر في موضع كذا - وبين كونه في موضع كذا يكون كسوف معين في وقت - من زمان أول الحالين محدود عقله - ذلك أمر ثابت قبل كون الكسوف ومعه وبعده يريد التفرقة بين إدراك الجزئيات [ 1 ] على وجه كلي - لا يمكن أن يتغير - وبين إدراكها على وجه جزئي - يتغير بتغيرها ليبين أن الأول تعالى - بل كل عاقل فهو إنما
--> [ 1 ] قوله « يريد التفرقة بين ادراك الجزئيات » حاصل كلامه أن الجزئيات طبائع مخصوصة بمخصصات . فلها اعتباران : من حيث هي طبائع ، ومن حيث هي متخصصة بالمخصصات فتعقلها من حيث هي طبائع تعقلها على وجه كلى ، وتعقلها من حيث هي متخصصة تعقلها على وجه جزئي وأحكامها بالحيثية الأولى لا يتغير بخلافها بالحيثية الثانية . ونحن نقول : الجزئيات من حيث إنها متخصصة بمخصصات معلولات الواجب . وقد تقرر عندهم أن العلم بالعلة يوجب العلم بالمعلول فيكون اللَّه تعالى عالما بالجزئيات من تلك الحيثية . فلو كانت متغيرة من تلك الحيثية يلزم تغير علم اللَّه تعالى وانه محال . فهذا الكلام من الشارح يناقض ما صرح القوم به بل ما صرح به في تحقيق علم اللَّه تعالى . والحق الصريح الذي لا يشوبه الشبهة : ان تعقل الجزئيات من حيث إنها متعلقة بزمان تعقل بوجه جزئي متغير ، ومن حيث إنها غير متعلقة بزمان تعقل على وجه كلى لا يتغير . وقد بين الوجه الذي لا يتعلق بالزمان بالوجوب عن أسبابها فان من عقل الجزئيات من حيث يجب بأسبابها حصل عنده صور الموجودات المترتبة ولا يتغير العلم بها بتغيرها في أحوالها قطعا لان هذا الوجه لا يتغير بالزمان ضرورة أن وجوب المعلول عن العلة التامة ليس بزمانى ولا تعلق له بالزمان أصلا . وتوضيح ذلك : أن الممكن يتساوى وجوده وعدمه بالنظر إلى ذاته فإذا وجد أسباب وجوده وجب وجوده ، وإذا وجد أسباب عدمه امتنع وجوده . وكل عاقل ما لم يعقل أسباب وجوده وأسباب عدمه يكون مترددا في وجوده وعدمه .