أبو علي سينا

306

الإشارات والتنبيهات ( شرح نصير الدين الطوسي وشرح شرح الرازي ) ( نشر الكتاب )

وإذا تقدم هذا فأقول - قد علمت أن الأول عاقل لذاته - من غير تغاير بين ذاته وبين عقله لذاته في الوجود - إلا في اعتبار المعتبرين على ما مر - وحكمت بأن عقله لذاته علة لعقله لمعلوله الأول - فإذا حكمت بكون العلتين - أعني ذاته وعقله لذاته شيئا واحدا في الوجود - من غير تغاير - فاحكم بكون المعلولين أيضا أعني المعلول الأول - وعقل الأول له شيئا واحدا في الوجود - من غير تغاير يقتضي كون أحدهما مباينا للأول - والثاني متقررا فيه - وكما حكمت بكون التغاير في العلتين اعتباريا محضا - فاحكم بكونه في المعلولين كذلك - فإذن وجود المعلول الأول - هو نفس تعقل الأول إياه - من غير احتياج إلى صورة مستأنفة - تحل ذات الأول تعالى عن ذلك - ثم لما كانت الجواهر العقلية - تعقل ما ليس بمعلولات لها بحصول صور فيها - وهي تعقل الأول الواجب - ولا موجود إلا وهو معلول للأول الواجب - كانت جميع صور الموجودات الكلية والجزئية - على ما عليه الوجود حاصلة فيها - والأول الواجب يعقل تلك الجواهر - مع تلك الصور لا بصور غيرها - بل بأعيان

--> لم يحتج في ادراك ما يصدر من ذاته إلى صورة . واعتبر في نفسك فإنك إذا تعقلت شيئا . حصل لك صورة المعقول بمشاركة من العقول ولا تحتاج في ادراك تلك الصورة الصادرة منك بالمشاركة إلى حصول صورة أخرى عندك بل تلك الصورة كافية في تعلقها . فبالأولى أن ما صدر من العاقل بالذات لا يحتاج في تعقله إلى صورة . ثم أورد عليه سؤالين ربما يتفطن المتعلم منهما . أحدهما : ان صورة العقلية إنما يكفى في تعقلها لكونها حالة في النفس وامتناع حصول صورة أخرى مساوية لها . وهذا بخلاف ما يصدر عن العاقل فإنه ليس بحال فيه . الثاني : أن الصورة العقلية ليست حاصلة عن النفس بل النفس قابلة لها وانما حصلت الصورة عن العقول الفعالة . وأجاب عن الأول : بان كون الصورة حالة في النفس ليس شرطا في التعقل والا لم يكف نفس ذاتنا في تعقل ذاتنا بل حلول الصورة في النفس شرطا لحصول الصورة الذي هو تعقلها حتى أن حصلت الصورة لها بوجه آخر غير الحلول حصل التعقل . وعن الثاني : بأن حصول الشئ عن الفاعل حصول للفاعل . فيكون حصولا لغير ذلك الشئ وهو التعقل إذ لا معنى للتعقل الا حصول الشئ للمجرد . وحصول الشئ القابل أضعف في كونه حصولا لغيره من حصول الشئ للفاعل وإذا كان الثاني كافيا في التعقل كفى الأول بطريق أولى . وإلى هذا السؤال والجواب أشار بقوله : ومعلوم أن حصول الشئ . إلى آخره .