أبو علي سينا
261
الإشارات والتنبيهات ( شرح نصير الدين الطوسي وشرح شرح الرازي ) ( نشر الكتاب )
غنيا في أول إبداعه - بريئا من القوة والنقصان كل البراءة - وهذا الجوهر لما كان موجودا بوسائط كثيرة - محدثا بحدوث مادة - كان كمالاته متأخرة عن وجوده - فكان محتاجا إلى الاستكمال - من إفاضات الجواهر العالية العقلية عليها - بالآلات البدنية - وبما يليها من الأجسام التي تعدها لقبول تلك الإفاضات - فلما انتهى إلى آخر المراتب - قطع الكلام في هذا النمط - والفاضل الشارح أورد شكوكا منها - أن الاستعدادات المذكورة [ 1 ] إن كانت عدمية - لم تكن أسبابا للترجيح - وإن كانت وجودية فحكمهم بصدورها عن السماويات - يقتضي اعترافهم بأن السماويات صالحة للعلية - وحينئذ يمكن إسناد الصور إليها دون العقل الفعال - وإن أبوا عن ذلك لقولهم الصور - لا تصدر عن الأجسام - فلا كلام في أن إسناد جميع الكيفيات والقوى - والأعراض الجسمانية إليها ممكن - وذلك مما لا يذهبون إليه - والجواب أن إسناد الأعراض إلى الأجسام - يستدعي شرائط كالوضع المخصوص وغيره - فما استجمع تلك الشرائط أسندت إليه - وما لم يستجمعها أسندت إلى غيره - ومنها أنهم لما حكموا - بصدور الصور والقوى عن العقل الفعال - فقد حكموا بصدور أنواع غير محصورة عنه - وهذا يناقض قولهم الواحد لا يصدر عنه إلا الواحد -
--> [ 1 ] قوله « منها أن الاستعدادات المذكورة » أي الاستعدادت اما أن يكون موجودة في الخارج أو معدومة فيه . والقسمان باطلان . فالقول بالاستعداد باطل . أما إذا كانت معدومة فلان المادة حينئذ حالها في الخارج مع الاستعداد كحالها لا معه . فلا يكون لها رجحان وأولوية بالقياس إلى بعض الصور دون بعض ، وأما إذا كانت موجودة فصدورها عن السماويات يقتضى القول بان السماويات يصلح أن يكون عللا للحوادث فجاز صدور الصور عنها . ولم يحتج استنادها إلى العقل . وان امتنع ذلك لما تقدم من امتناع كون القوى الجسمانية عللا لصور الأجسام فلا أقل من امكان استناد جميع الكيفيات والاعراض إليها ؛ لكن القوم ينكرون ذلك ويستندون إلى الصور النوعية للأجسام . والجواب : أن القوى الفلكية جسمانية لا تؤثر الا بوضع مخصوص ولا كل اثر بل ما يناسبها فان الشمس لا تؤثر الا فيما يحاذيها ، ولا يحصل منها إلا ضوء وبواسطته سخونة فلا يلزم امكان صدور جميع الاعراض عن السماويات . م