أبو علي سينا

262

الإشارات والتنبيهات ( شرح نصير الدين الطوسي وشرح شرح الرازي ) ( نشر الكتاب )

فإن جعلوا السبب في ذلك اختلاف القوابل - فهلا أسندوا تلك الصور إلى المبدإ الأول - وعللوا الاختلاف بالقوابل - وهذا الاعتراض قد نسبه في بعض كتبه إلى الشهرستاني ثم أورد عنه جوابا نسبه إلى بعض الناس - وهو أن الواحد يفعل أفعالا كثيرة - عند تعدد الآلات كالنفس الناطقة - أو عند تعداد القوابل كالعقل الفعال الأول - أما الأول فلما لم يجز أن يفعل بتوسط الآلة ولا المادة - لم يمكن إسناد هذه الكثرة إليه - أقول هذا الجواب ليس بمرضي على أصولهم - إذ لا فرق عندهم بين ( 54 ) المبدإ الأول - وبين العقول المجردة في نفي الفعل - بتوسط الآلة والمادة عنهما - بل إنما يجوزونه في النفوس فقط [ 1 ] - والجواب الصحيح أن يقال صدور الأفعال - التي لا تنحصر عن فاعل واحد - إنما يكون بحسب حيثيات غير منحصرة فيه [ 2 ] - واختلاف القوابل لا يمكن أن يكون سببا - لكون الفاعل في نفسه - بحيث يمكن أن تصدر عنه تلك الأفعال المتكثرة - بل إنما هو سبب لتعين كل فعل من تلك الأفعال - الممكنة الصدور لكل مادة - وتخصيص كل مادة دون غيره - فإذن فاعل هذه الصور والقوى - مشتمل على حيثيات غير منحصرة - والأول تعالى عن ذلك - فإذن هو جوهر من العقليات متأخر الوجود - عما يقرب من المبدإ الأول - بحيث يمكن اشتماله على أمثال تلك الحيثيات -

--> [ 1 ] قوله « إنما يجوزونه في النفوس فقط » هذا ممنوع فان العقول لا يتوقف جميع افعالها على المادة بخلاف النفوس . فمن الجايز توقف بعض افعال العقول على المادة واستعدادها . وأما المبدأ الأول فلا وسط بينه وبين أول معلولاته والا لم يكن أول . م [ 2 ] قوله « صدور الافعال التي لا تنحصر عن فاعل واحد انما يكون بحسب حيثيات غير منحصرة فيه » إن أراد صدور الافعال عن فاعل واحد بالذات فالفاعل بحسب اختلاف القوابل ليس فاعلا بالذات ، وان أراد صدورها عن فاعل واحد مطلقا فوجوب اشتماله على حيثيات غير منحصرة فيه ممنوع . فقد سبق ان واجب الوجود مبدء للكل وهو متعالي عن الحيثيات . ولئن سلمنا ذلك فلا نسلم انه يلزم أن يكون فاعل الصور جوهرا من العقليات متأخر الوجود . فإن كان عقل مستجمع لكمالات غير متناهية فجاز أن يحصل من العقل الأول لاشتماله على صور علمية غير متناهية اللهم الا ان يقولوا : الأول لا صورة علمية فيه : وإنما الصورة العلمية في العقل الفعال . واللَّه تعالى أعلم بجلية الحال ، والحمد للّه تعالى . م