أبو علي سينا
256
الإشارات والتنبيهات ( شرح نصير الدين الطوسي وشرح شرح الرازي ) ( نشر الكتاب )
يريد بيان ترتيب صدور ما في عالم الكون والفساد - عن مباديها وبدأ بالهيولى - المشتركة للعناصر الأربعة - فأسندها إلى العقل الأخير - وهو العقل الذي لا يلزم عنه جرم سماوي - وإليه تنتهي العقول ويعرف بالفعال - فنقول لما كانت الأجسام الكائنة من هذه الهيولى - قابلة لجميع أنواع التغير والحركة - بخلاف الأجرام السماوية - لم يمكن أن يكون سبب وجودها عقلا محضا - بل وجب أن يكون ما هو سببها القريب - مشتملا على نوع من التغير والحركة - لكن ليس هناك شيء يشتمل على التغير والحركة - إلا الأجرام السماوية - فإذن وجب أن يكون للأجرام السماوية ضرب - من التأثير في تحصيل هذه الأجسام - ولما كانت هذه الأجسام مؤلفة من هيولى مشتركة - وصور مختلفة - وكان كل واحد منهما قابلا للتغير والحركة في حده - وجب أن يكون اختلاف صورها - مما يؤثر فيه اختلاف في الأجرام السماوية - وأن يكون اشتراك مادتها - مما يؤثر فيه اشتراك في أحوال الأجرام السماوية - والأجرام السماوية تشترك - في الطبيعة المقتضية للحركة المستديرة - المسماة بالطبيعة الخامسة - فيجب أن يكون لمقتضى تلك الطبيعة تأثير - في وجود المادة المشتركة - ويكون ما يختلف فيه مبدأ تهيئها للصور المختلفة - ولا يمكن أن يكون ذلك كافيا في إيجاد المادة - أما أولا فلأن الأجسام وتوابعها - لا يمكن أن يكون عللا لمواد أجسام أخر كما مر - وأما ثانيا فلأن الأمور
--> فإنها لا تكون ولا تفسد . واما الاعراض فكما يتوارد على الأجسام الكائنة يتوارد أيضا على الأفلاك كالحركات والأوضاع وغيرها . ولهذا قال : وكان كل منهما قابلا للتغير والحركة في حده . أي حقيقته فان الهيولى إذا كانت متصورة بصورة كان لها حقيقة ثم إذا زال تلك الصورة وحصلت صورة أخرى كان لها حقيقة أخرى واما الصورة فتغيرها هو زوال صورة وحدوث أخرى . ولما كان للافلاك أحوال مختلفة وأحوال مشتركة فمن حيث اشتراكها في الطبيعة الخامسة يحصل الهيولى من العقل الفعال ، ومن حيث اختلافها في الأحوال يحصل صور العناصر . لا يقال : لا دخل للاجرام السماوية في هيولى الكون والفساد لأنها ثابتة يمكن استنادها إلى مجرد العقل . لأنا نقول : قد تبين أن وجود الهيولى موقوف على الصورة . ولما كان للاجرام السماوية مدخل في احداث الصور كان لها دخل في الهيولى على سبيل ايجادها بل في اعدادها للصور حتى يدوم ويبقى . م