أبو علي سينا
239
الإشارات والتنبيهات ( شرح نصير الدين الطوسي وشرح شرح الرازي ) ( نشر الكتاب )
أن يقارنه صور المعقولات - وإن كان موضوع الاعتبارين شيئا واحدا - فهو بالاعتبار الأول فاعل تلك الصور - وبالاعتبار الثاني قابلها - على أن الحق في ذلك ما سنذكره في موضعه - المقدمة الثانية أن الأفعال الصادرة عن صور الأجسام - إنما تصدر عنها بمشاركة الوضع - وذلك لأن الصور صنفان [ 1 ] - صور تقوم بمواد الأجسام كالصورة الجسمية والنوعية - وهي كما أن قوامها بمواد تلك الأجسام - فكذلك ما يصدر عنها بعد قوامها - يصدر بوساطة تلك المواد - فيكون بمشاركة من الوضع - ولذلك فإن النار لا تسخن أي شيء اتفق - بل ما كان ملاقيا لجرمها - أو كان من جسمها بحال - والشمس لا تضيء كل شيء - بل ما كان مقابلا لجرمها - وصور قوامها بذاتها لا بمواد الأجسام - كالأنفس المفارقة بذواتها دون أفعالها - لكن النفس إنما جعلت خاصة بجسم - بسبب أن فعلها من حيث هي نفس - إنما يكون بذلك الجسم وفيه - وإلا لكانت مفارقة الذات والفعل جميعا لذلك الجسم - وحينئذ لم يكن نفسا لذلك الجسم هذا خلف - فقد ظهر أن الصور إنما تفعل بمشاركة الوضع - المقدمة الثالثة أن الفاعل بمشاركة الوضع - لا يمكن أن يكون فاعلا لما لا وضع له - وإلا لكان فاعلا من غير مشاركة الوضع هذا خلف - المقدمة الرابعة أن علة الجسم تكون أولا علة لجزئه - أعني مادته وصورته - وهذا قد تقرر فيما مضى -
--> [ 1 ] قوله « وذلك لان الصورة صنفان » صور الأجسام صنفان : صورة حالة فيها ، وصورة غير حالة فيها ؛ بل هي صور كمالية لها . اما الصور المادية فلما كان قوامها بالمادة كان فعلها بواسطة المادة ، بل بواسطة الجسم لان الكلام في الصور النوعية وهي يقوم بالجسم فيكون فعلها بمشاركة الوضع . والوضع هاهنا بمعنى المقولة : اى يتوقف فعلها في غيرها على أن يكون لجسمها وضع مخصوص بالنسبة إلى الغير من مماسة ، أو مجاورة ، أو مقابلة ، أو غير ذلك . ولما كانت هذه المقدمة بديهية نبه عليها باستقرار الأجسام وتأثيراتها فان النار التي في الشرق لا تؤثر في الماء الذي في الغرب ؛ بل فيما يجاوره ، وكذا الشمس لا يضيء كل شئ بل ما يقابلها . واما الصور الكمالية فلما لم تحتج إلى الجسم في وجودها فلو كانت غير محتاجه في فعلها أيضا إليه كانت عقلا لا نفسا . فيكون فعلها أيضا بمشاركة الوضع .