أبو علي سينا

156

الإشارات والتنبيهات ( شرح نصير الدين الطوسي وشرح شرح الرازي ) ( نشر الكتاب )

الأول أن العقل المحض لا يصحبه فقر - فتكون إرادته شبيهة بالعناية المذكورة - وقد تقرر في آخر النمط الثالث - أن المحرك السماوي يطلب بإرادته ما هو أحسن - وأولى به - والثاني أن المراد الكلي كما مر - ليس مما يتجدد ويتصرم على انقطاع - كالكميات المنفصلة - أو على اتصال كالكميات المتصلة - بل يكون شيئا واحدا - إما موجود الطبيعة أو معدومها دائما - والأمور الدائمة المتشابهة الأحوال - أعني المجردة المحضة كالعقول - لا يجوز أن يقال كان فيما لم يزل لها شيء مفقود - ثم حصل أو يقال

--> وجوابه : أن الحركة ليست مطلوبة بذاتها بل بغيرها فإنها لذاتها تقتضى التأدى إلى الغير فيكون المطلوب ذلك الغير . والمطلوب بالحركة اما الكيف أو الكم أو الأين أو الوضع . والثلاثة الأول منتقضة هاهنا فتعين أن يكون المطلوب الوضع . الرابع : انا لا نسلم أن القسر لا يكون الا على خلاف الطبع . فربما يكون على خلاف الإرادة بحيث يريد السكون في الموضع ويقسر على الحركة عنه . ولئن سلمناه فلا نسلم انه يلزم من انتفاء الحركة بالطبع انتفاء القسر لجواز أن يقتضى الجسم السكون بالطبع ويتحرك بالقسر . والمعتمد في ذلك ما مر في النمط الثاني من أن مبدء الحركة الفلكية طباعى . وإذ قد بان الحركة السماوية إرادية فمرادها اما أن يكون جزئيا أو كليا . والأول محال لأنه اما أن يكون ممكن الحصول أو لا فإن كان ممكن الحصول فإذا ناله انقطع حركته والا استحال طلبه . ومذهب المشائين أن المباشر لتحريك الفلك هو النفس المنطبعة فيه . فعلى هذا لا يكون مرادها كليا إذا المراد لا بد أن يكون مدركا والمدرك للكلى يمتنع أن يرتسم في القوى الجسمانية . ولهم أن يجيبوا عن ذلك الدليل بأجوبة : أحدها : أنا لا نسلم أنه ان حصل المراد بالجزئي يقف الفلك وإنما يكون كذلك لو لم يستعد بواسطة نيل ذلك المراد لارتياد جزئي آخر وهلم جرا إلى غير النهاية حتى كلما حصل له وضع جزئي طلبه يستعد لوضع آخر جزئي يطلبه . فلهذا يتحرك دائما . وثانيها : لا نسلم هذا إذا كان الجزئي ممتنع الوقوع يستحيل طلبه ، ولم لا يجوز ان كان يتخيل أو يظن أنه ربما يحصل . فان ذلك من القوى الجسمانية ليس يمتنع . سلمنا جميع ذلك لكنه منقوض بالمراد الكلى فإنه اما أن يكون ممكن الوقوع أولا إلى آخر ما ذكروه ، ثم إذا ثبت أن المراد كلى فمبدأ الإرادة الكلية لا يكون الا ذاتا مجردة مفارقة لكن الحركات الجزئية والأوضاع الجزئية لا تتحصل من الإرادة الكلية لان نسبة المراد الكلى إلى ساير الافراد على السوية فلا يتخصص بعضها بالوقوع فلا يحصل بعض تلك الافراد الا بإرادة جزئية ينبعث من تلك الإرادة الكلية . والمراد الجزئي لا بد أن يكون مدركا فلا ينتقش في الذات المجردة ؛ بل في قوة جسمانية . فلا بد