أبو علي سينا

155

الإشارات والتنبيهات ( شرح نصير الدين الطوسي وشرح شرح الرازي ) ( نشر الكتاب )

بإرادتين كلية وجزئية - وتبين أن مبدأ الإرادة الكلية المطلقة الأولى - يعني الإرادة التي لا تعلق لها بأمر جزئي - التي تنبعث الإرادات الجزئية - عن القوى الجسمانية بسببها - يجب أن يكون ذاتا عقلية مفارقة القوام - فإن الأجسام وقواها لا يتصور بالكليات - فتلك الذات إما أن تكون كاملة الجوهر بفضيلتها الذاتية - وإما أن لا تكون والأول هو المسمى بالعقل - والثاني هو المسمى بالنفس - لكن محرك السماء - لا يجوز أن يكون عقلا لثلاثة أمور -

--> فنقول : قد تبين أن الحركة الدورية السماوية إرادية لان حركة الجسم البسيط اما قسرية أو طبيعية أو إرادية إذ مبدءها اما خارج المتحرك فهي قسرية ، أو لا وحينئذ اما أن يكون مع شعور وإرادة فتكون إرادية ، أو لا فتكون طبيعية ولا يجوز أن يكون حركة الفلك قسرية ولا طبيعية . فتعين أن تكون إرادية : أما أنها ليست طبيعية فلان كل حد من حدود المسافة يتركه بالحركة المستديرة يكون تركه هو التوجه اليه فلو كانت طبيعية يلزم أن يميل بالطبع بحركة واحدة إلى ما يميل عنه بالطبع ؛ ويكون طالبا بحركته وضعا ما بالطبع في موضعه ، وتاركا له هاربا عنه بالطبع . ومن المحال أن يكون المطلوب بالطبع متروكا بالطبع والمتروك بالطبع مطلوبا بالطبع . وأما أنها ليست قسرية فلان القسر على خلاف الطبع فلما لم يتصور الحركة الطبيعية لم يكن الحركة القسرية . وقد تقرر أن الجسم إذا لم يكن فيه مبدء ميل طبيعي لم يقبل الحركة القسرية . وهاهنا سؤالات : أحدها : أن ما ذكر في الحركة القسرية يقتضى أن لا يكون حركة الفلك إرادية لان ترك كل وضع لما كان عين التوجه إلى ذلك الوضع فلو كانت الحركة إرادية كان ذلك الوضع مرادا وغير مراد في حالة واحدة . وانه محال . وأجيب عنه : بجواز كون الشئ الواحد مرادا وغير مراد من جهتين . فان مبدء الحركة إذا كان له شعور جاز أن يختلف اعراضه بخلاف ما إذا كان عديم الشعور إذ لا يتصور اختلاف الجهات والاعراض . الثاني : انا لا نسلم أن ترك حد أو وضع هو التوجه إلى ذلك الحد أو الوضع بل يترك حصولا في حد أو وضع ، ويتوجه إلى مثل ذلك الحصول في ذلك الحد أو مثل ذلك الوضع . ضرورة انعدام ذلك الحصول وذلك الوضع بتركه ، وامتناع إعادة المعدوم . فالأولى أن يقال : ان طلب وضع معين بالطبع وتركه بالطبع مما لا يتصور بخلاف الإرادة على ما تقرر فيما سبق . الثالث : هب أن ترك كل وضع عين التوجه إلى ذلك الوضع ؛ لكن لا نسلم انه يلزم منه أن يكون المطلوب بالطبع متروكا بالطبع . وانما يكون كذلك لو كان المطلوب هو الوضع وهو ممنوع لجواز أن يكون المطلوب نفس الحركة أو شيئا آخر .