أبو علي سينا

51

الإشارات والتنبيهات ( شرح نصير الدين الطوسي وشرح شرح الرازي ) ( نشر الكتاب )

أقول : مطلوب الشيخ أن يثبت وجود لوازم بينة يمتنع رفعها في الذهن مع وضع ملزوماتها ، فإن قوما من المنطقيين أنكروا أن يكون في اللوازم ما يمتنع رفعه وقالوا : كل ما يمتنع رفعه في الذهن فهو ذاتي مقوم ، وذلك لأنهم وجدوا هذا الحكم معدودا في الخاصيات الثلاث المذكورة للذاتي . فأورد الشيخ لإثبات مطلوبه قسمة حاذى بها أقسام العلوم الأولية ، والمكتسبة البرهانية ، وذلك أن يقال : المحمول اللازم لا يخلو من أن يكون لزومه للموضوع لا بتوسط شيء آخر ، بل لأن ذات الموضوع أو المحمول لما هي هي تقتضي ذلك اللزوم . أو يكون بتوسط أمر مغاير لهما يقتضيه . والقسم الأول يقتضي أن يكون المؤلف من ذلك الموضوع والمحمول قضية لا يتوقف الحكم فيها إلا على تصورهما فقط ، فيكون من الأوليات . والقسم الثاني يقتضي أن يكون المؤلف قضية مكتسبة من جملة القضايا التي يشتمل العلوم البرهانية

--> القسمة بها ؛ لان الثابت بالبرهان ليس إلا أن الصفات الإضافية خارجة عن المهيات ، وأما الصفات الغير الإضافية ، فلم يثبت بعد خروجها ، ولهذا سيمثل اللازم البين بكون كل عدد مساويا للاجزاء مقارنا له ، فان المساواة والمقارنة إنما يقبلان بالقياس إلى الغير أو نقول هذه إشارة إلى اللوازم الإضافية ، والمراد بأمثالها اللوازم مطلقا فان جميع اللوازم يشارك هذه في اللزوم وقد قسمها إلى ما لزومها لا بوسط فيكون بينة لموضوعاتها ، وإلى ما لزومها بوسط ، وهذا يستلزم أن تكون القضية اما أولية أو كسبية وليس كذلك لان باقي اليقينيات من الحدسيات والتجربيات وغيرهما خارج عنها ، على أنا نقول لا نسلم أنها لو لم يكن بوسط كانت بينة بالمعنى الأعم ، فضلا عن أن يكون بينة بالمعنى الأخص ، وانما يكون كذلك لو لم يتوقف اللزوم على شئ آخر من الحدس ، والاحساس والتجربة ، وغيرها ، وزعم الشارح أن اللازم بغير وسط لا بد أن يكون بينا بالمعنى الأخص لان اللزوم هو امتناع الانفكاك ، ومتى امتنع انفكاك الشئ عن آخر كانت ماهية الملزوم مقتضية له وإذا لم يكن اللزوم بوسط كان الملزوم كافيا في تحقق اللازم وانما يتحقق الملزوم بتحقق اللازم سواء كان في العقل ، أو في الخارج ، فتعقله يستلزم تعقل اللازم ، ولعله انما فهم المعنى الأخص من قوله ان كان لزومها بغير وسط كانت معلومة أي من العلم بالماهية ، وجوابه أن انتفاء الوسط في التصديق لا يستلزم انتفاء الواسطة ، لجواز أن يكون لزومه في نفس الامر يتوقف على أشياء أخر وهو ظاهر وكأنه لم يفرق بين الوسط في التصديق والواسطة في الثبوت ، وقيل عليه لو استلزم تصور الملزوم تصور لازمه الذي لا بوسط ، لا يستلزم تصور الماهية تصور جميع لوازمها سواء كانت بوسط أولا ؛ لان كل لازم فرض من لوازم الماهية لا غير اما أن يكون بوسط أو لا ، فإن لم يكن بوسط ، يكون تصور -