أبو علي سينا

45

الإشارات والتنبيهات ( شرح نصير الدين الطوسي وشرح شرح الرازي ) ( نشر الكتاب )

يميز بين أجزائها ويفصلها ويلاحظ كل واحد منها وحده منفردا عن غيره ، وذلك لقوته المميزة ، فالتفاته بالقصد الأول إلى المتصور الأول وإن كان مشروطا بحضور الأجزاء معه بالقصد الثاني ، كما يكون عليه في الوجود مغاير لالتفاته بالقصد الأول إلى صور الأجزاء المفصلة المتمايزة الحاصلة عنده بحسب تصرفه في المتصور الأول وقد يكون الأول حاضرا بالفعل ملتفتا إليه بالقصد الأول من دون أن يكون الثاني معه كذلك ، وإن كان الأول لا يتم إلا وأن يكون الثاني حاصلا معه بحيث يكون له أن يحضرها متى شاء ويلتفت إليها بقصد مستأنف والتفات مجرد عن تجشم اكتساب ، كالمعلومات الحاصلة التي لا يلتفت إليها الذهن بالفعل ، وله أن يلتفت إليها متى شاء .

--> مركب فلا بد أن يوجد أجزاؤه ، لكن المقصود أولا وهو ذلك المركب لا الاجزاء ، كذلك الانسان إذا حاول تصور المركب فهو المقصود دون الاجزاء ، إذ قد عرفت هذا ، فنقول : إذا أدرك مركب فهو لا مقصود بالقصد الأول ، يكون ملاحظا مميزا عن غيرها ، واما أجزاؤه فلما لم يكن مقصوده فهي وان وجب حضورها في الذهن الا أنه ربما لا يلتفت إليها ولا يلاحظها لكن له أن يميز بينها ويلاحظ كل واحد منها بقوله المميزة وذلك يكون بقصد مستأنف يتوجه إليها نفسها ، ففرق في تصور الاجزاء بين ما يقصد المركب وبين ما يقصد الاجزاء وان كان تصورها حاصلا بحسب التصديق ، وربما مثل ذلك بأنا إذا سئلنا عن مسئلة نعلمها فهي قبل الشروع في جوابها حاصلة في الذهن ، غير ملتفت إليها وإذا شرعنا في الجواب ، وقررنا فيها من المعلومات واحدا واحدا ، فلا شك أنا نتخيل مفصله ، وانما قيد المركبات بالتي لا يوجد أجزاءها متمايزة : لان الكلام في الذاتيات ، وهي لا يكون الا كذلك ، وبعض الناظرين في هذا الكلام ولعله الامام ، ظنه مشتملا على تناقض ، لان العلم هو حصول صورة المعلوم في العالم ، والذاتيات مختلفة بحسب الماهية ، وإذا علم الماهية المركبة فاما أن يحصل من كل من ذاتياتها صورة أولا ، فإن لم تحصل كان شئ من الذاتيات ، غير معلوم وان حصل من كل منها صورة فاما أن يكون الحاصل صورة واحدة مطابقة لكل واحد من الذاتيات أو يحصل بحسب كل ذاتي سورة على حدة ، والأول باطل لان صورة المعلوم مساوية له في الماهية ، فلو كانت الصورة الواحدة الذهنية مطابقة لكل واحد من الذاتيات كان للشيء الواحد مهيات مختلفة وإنه محال فتعين أنه لا بد أن يكون في العقل صور مختلفة بإزاء كل واحد من الذاتيات صورة واحدة منها ، ولا نعنى بالعلم التفصيلي الا ذلك فظهر أن أحد الامرين لازم اما عدم العلم بالذاتي عند عدم العلم بالماهية واما العلم التفصيلي على تقدير عدمه وكل منها تناقض صريح وجوابه أن الحاصل في العقل صورة مختلفة الا أنها غير ملحوظة وغير ملتفت إليها ولهذا عبر عن العلم الاجمالي بالحالة البسيطة التي هي مبدء التفاصيل ، فان العقل ما لم يلاحظها لم يحصل عنده صور مختلفة متعددة . م