أبو علي سينا

7

الإشارات والتنبيهات ( شرح نصير الدين الطوسي وشرح شرح الرازي ) ( نشر الكتاب )

العلم المنسوب إليها هو العلم المسمى بالطبيعيات ، لا العلم بالطبيعة نفسها ، فإنه أحد مسائل العلم المنسوب إلى ما قبلها ، ومبادي الطبيعة من المجردات إنما يكون قبلها في نفس الأمر قبلية بالذات والعلية والشرف ، ويكون بعدها بالنسبة إلينا بعدية بالوضع ، فإنا ندرك المحسوسات بحواسنا أولا ، ثم المعقولات بعقولنا ثانيا ، ولذلك قدم المعلم الأول الطبيعيات على العلم بمباديها ، فالعلم بمبادي الطبيعة وبما يجري مجراها من الأمور العامة قد يسمى علم ما قبل الطبيعة ، لأول الاعتبارين ، وعلم ما بعدها ، لثانيهما ، وهو الفلسفة الأولى . وله تقدم آخر باعتبار آخر على علم الطبيعة وغيره من العلوم ، وذلك لكونه مشتملا على بيان أكثر مباديها الموضوعة فيها ، والعلم بالمبادي أقدم من العلم بما له المبادي ، وإنما عنى الشيخ بقوله : وما قبله هذا التقدم

--> الإلهية مبادى الطبيعية من المجردات ، وهي اقدم بالوجهين من الطبيعيات ، وإنما أجرى الأمور العامة مجرى المجردات حتى صار مبحوثا عنها في العلم الإلهي لامتناع كونها وضعية ، لان الوضعي يمتنع ان يكون كليا ، ولا نهالا يحتاج إلى المادة كالمجردات . فان قلت : ذكر الذات مستدرك ، لأنه إن أريد به تقدم العلية لزم التكرار وإن أريد به المطلق فحصوله إنما يكون في أحد أخصية ولا يجوز أن يكون هو المقابل لتقدم العلية فتعين أن يكون إياه ، فذكره مغن عنه . فنقول : إرادة المفهوم العام لا يوجب إرادة أحد الخواص ، فلا استدراك . وأما تاخرها بالوضع لان المحسوسات أقرب الينا فالعلم بمبادى الطبيعة وما يجرى مجريها من الأمور العامة وهو العلم الإلهي قد يسمى علم ما قبل الطبيعة لأول الاعتبارين ، وعلم ما بعدها لثانيهما ، هذا كله باعتبار المعلومات ، واما العلم الإلهي نفسه فله تقدم على العلم الطبيعي وغيره من العلوم ، لاشتماله على مباديها ، والعلم بالمبادئ متقدم على العلم بما له المبادى طبعا ، فقد بان أن للمعلوم على المعلوم تقدما ، وللعلم على العلم أيضا تقدما ، فلينظر أن التقدم الذي اعتبره الشيخ في قوله : وما قبله . اى تقدم منهما . فنقول : المراد التقدم العلمي ، لان الضمير في ما قبله لا يرجع إلى الطبيعة وإلا لقال ما قبلها ، بل إلى علم الطبيعة ، وحينئذ لا يخلو إما أن يكون ما قبله كناية عن المعلومات ، أو عن العلم ، لا جايز ان يكون كناية عن المعلومات ، وإلا لكان العلم الإلهي علم ما قبل الطبيعة ، لكنه لا يسمى بهذا بل علم ما قبل علم الطبيعة . وأيضا التقدم المعتبر ، إما : بين العلمين ، أو بين المعلومين وأما بين المعلوم والعلم فلا يكاد يعتبر ، لعدم المناسبة ، فتعين أن يكون ما قبله كناية عن العلم ، فالتقدم المعتبر انما هو التقدم الذي بين العلمين ، ولو عنى به التقدم بين المعلومين ، لقال وما قبلها ، ومن هنا يعلم أن ما قبله عطف على علم الطبيعة لا على الطبيعة ، وإلا لكان المضاف وهو العلم داخلا عليه أيضا فيكون ما كناية عن المعلومات ، وليس كذلك ، فلو قال وما قبلها لكان عطفا على الطبيعة م