الجصاص
90
أحكام القرآن
جنحت السفينة إذا مالت ، والسلم المسالمة . ومعنى الآية أنهم إن مالوا إلى المسالمة ، وهي طلب السلامة من الحرب ، فسالمهم واقبل ذلك منهم . وإنما قال : ( فاجنح لها ) لأنه كناية عن المسالمة . وقد اختلف في بقاء هذا الحكم ، فروى سعيد ومعمر عن قتادة أنها منسوخة بقوله تعالى : ( فاقتلوا المشركين حيث وجدتموهم ) [ التوبة : 5 ] ، وروي عن الحسن مثله . وروى ابن جريج وعثمان بن عطاء عن عطاء الخراساني عن ابن عباس : ( وإن جنحوا للسلم فاجنح لها ) قال : نسختها . ( قاتلوا الذين لا يؤمنون بالله ولا باليوم الآخر ) إلى قوله : ( وهم صاغرون ) [ التوبة : 29 ] . وقال آخرون : " لا نسخ فيها لأنها في موادعة أهل الكتاب ، وقوله تعالى : ( فاقتلوا المشركين ) [ التوبة : 5 ] في عبدة الأوثان " . قال أبو بكر : قد كان النبي صلى الله عليه وسلم عاهد حين قدم المدينة أصنافا من المشركين ، منهم النضير وبنو قينقاع وقريظة ، وعاهد قبائل من المشركين ، ثم كانت بينه وبين قريش هدنة الحديبية إلى أن نقضت قريش ذلك العهد بقتالها خزاعة خلفاء النبي صلى الله عليه وسلم ، ولم يختلف نقلة السير والمغازي في ذلك ، وذلك قبل أن يكثر أهل الاسلام ويقوى أهله ، فلما كثر المسلمون وقوي الدين أمر بقتل مشركي العرب ولم يقبل منهم إلا الاسلام أو السيف بقوله عز وجل : ( فاقتلوا المشركين حيث وجدتموهم ) [ التوبة : 5 ] وأمر بقتال أهل الكتاب حتى يسلموا أو يعطوا الجزية بقوله تعالى : ( قاتلوا الذين لا يؤمنون بالله ولا باليوم الآخر ) إلى قوله : ( وهم صاغرون ) [ التوبة : 29 ] . ولم يختلفوا أن سورة براءة من أواخر ما نزل من القرآن ، وكان نزولها حين بعث النبي صلى الله عليه وسلم أبا بكر على الحج في السنة التاسعة من الهجرة ، وسورة الأنفال نزلت عقيب يوم بدر بين فيها حكم الأنفال والغنائم والعهود والموادعات ، فحكم سورة براءة مستعمل على ما ورد وما ذكر من الأمر بالمسالمة إذا مال المشركون إليها فحكم حكم ثابت أيضا . وإنما اختلف حكم الآيتين لاختلاف الحالين ، فالحال التي أمر فيها بالمسالمة هي حال قلة عدد المسلمين وكثرة عدوهم ، والحال التي أمر فيها بقتل المشركين وبقتال أهل الكتاب حتى يعطوا الجزية هي حال كثرة المسلمين وقوتهم على عدوهم ، وقد قال تعالى : ( فلا تهنوا وتدعوا إلى السلم وأنتم الأعلون والله معكم ) [ محمد : 35 ] فنهى عن المسالمة عند القوة على قهر العدو وقتلهم ، وكذلك قال أصحابنا : إذا قدر بعض أهل الثغور على قتال العدو ومقاومتهم لم تجز لهم مسالمتهم ولا يجوز لهم إقرارهم على الكفر إلا بالجزية ، وإن ضعفوا عن قتالهم جاز لهم مسالمتهم كما سالم النبي صلى الله عليه وسلم كثيرا من أصناف الكفار وهادنهم على وضع الحرب بينهم من غير جزية أخذها منهم ، قالوا : فإن قووا بعد ذلك على قتالهم نبذوا