الجصاص
91
أحكام القرآن
إليهم على سواء ثم قاتلوهم ، قالوا : وإن لم يمكنهم دفع العدو عن أنفسهم إلا بمال يبذلونه لهم جاز لهم ذلك ، لأن النبي صلى الله عليه وسلم قد كان صالح عيينة بن حصن وغيره يوم الأحزاب على نصف ثمار المدينة ، حتى لما شاور الأنصار قالوا : يا رسول الله أهو أمر أمرك الله به أم الرأي والمكيدة ؟ فقال النبي صلى الله عليه وسلم : " لا بل هو رأي لأني رأيت العرب قد رمتكم عن قوس واحدة فأردت أن أدفعهم عنكم إلى يوم ما ) فقال السعدان بن عبادة وسعد بن معاذ : والله يا رسول الله إنهم لم يكونوا يطمعون فيها منا إلا قرى وشرى ونحن كفار ، فكيف وقد أعزنا الله بالإسلام ؟ لا نعطيهم إلا السيف وشقاء الصحيفة ! فهذا يدل على أنهم إذا خافوا المشركين جاز لهم أن يدفعوهم عن أنفسهم بالمال . فهذه أحكام بعضها ثابت بالقرآن وبعضها بالسنة ، وهي مستعملة في الأحوال التي أمر الله تعالى بها ، واستعملها النبي صلى الله عليه وسلم فيها ، وهذا نظير ما ذكرنا في ميراث الحليف أنه حكم ثابت بقوله تعالى : ( والذين عقدت أيمانكم فآتوهم نصيبهم ) [ النساء : 33 ] في حال عدم ذوي الأنساب وولاء العتاق ، فإذا كان هناك ذو نسب أو ولاء عتاقة فهم أولى من الحليف كما أن الابن أولى من الأخ ولم يخرج من أن يكون من أهل الميراث . قوله تعالى : ( وألف بين قلوبهم لو أنفقت ما في الأرض جميعا ما ألفت بين قلوبهم ) الآية . روي أنه أراد به الأوس والخزرج ، وكانوا على غاية العداوة والبغضاء قبل الاسلام ، فألف الله بين قلوبهم بالإسلام ، روي ذلك عن بشير بن ثابت الأنصاري وابن إسحاق والسدي . وقال مجاهد : هو في كل متحابين في الله . قوله تعالى : ( إن يكن منكم عشرون صابرون يغلبوا مائتين ) إلى آخر القصة . حدثنا جعفر بن محمد الواسطي قال : حدثنا جعفر بن محمد بن اليمان حدثنا أبو عبيد قال : حدثنا عبد الله بن صالح عن معاوية بن صالح عن علي بن أبي طلحة عن ابن عباس في قوله تعالى : ( إن يكن منكم عشرون صابرون يغلبوا مائتين ) قال : " أمر الله تعالى الرجل من المسلمين أن يقاتل عشرة من الكفار فشق ذلك عليهم فرحمهم فقال : ( فإن يكن منكم مائة صابرة يغلبوا مائتين وإن يكن منكم ألف يغلبوا ألفين ) . وحدثنا جعفر بن محمد قال : حدثنا جعفر بن محمد قال : حدثنا أبو عبيد : حدثنا إسماعيل بن إبراهيم عن ابن أبي نجيح عن عطاء عن ابن عباس قال ، " أيما رجل فر من ثلاثة فلم يفر ومن فر من اثنين فقد فر " . وإنما عنى ابن عباس ما ذكر في هذه الآية ، وكان الفرض في أول الاسلام على الواحد قتال العشرة من الكفار لصحة بصائر المؤمنين في ذلك الوقت ، وصدق يقينهم ، ثم لما أسلم قوم آخرون خالطهم من لم يكن لهم بصائرهم ونياتهم خفف عن الجميع وأجراهم مجرى واحدا ففرض على الواحد مقاومة الاثنين .