الجصاص

83

أحكام القرآن

لفقرائهم دون أغنيائهم ، وقول ابن عباس : " كنا نرى أنه لنا " إخبار أنه قال من طريق الرأي ولاحظ للرأي مع السنة واتفاق جل الصحابة من الخلفاء الأربعة . ويدل على صحة قول عمر فيما حكاه ابن عباس عنه حديث الزهري عن عبد الله بن الحارث بن نوفل عن المطلب بن ربيعة بن الحارث أنه والفضل بن عباس قالا : يا رسول الله قد بلغنا النكاح فجئناك لتؤمرنا على هذه الصدقات فنؤدي إليك ما يؤدي العمال ونصيب ما يصيبون ، فقال النبي صلى الله عليه وسلم : " إن الصدقة لا تنبغي لآل محمد إنما هي أوساخ الناس " ثم أمر محمية أن يصدقهما من الخمس ، وهذا يدل على أن ذلك مستحق بالفقر ، إذ كان إنما اقتضى لهما على مقدار الصداق الذي احتاجا إليه للتزويج ولم يأمر لهما بما فضل عن الحاجة . ويدل على أن الخمس غير مستحق قسمته على السهمان وأنه موكول إلى رأي الإمام قوله صلى الله عليه وسلم : " مالي من هذا المال إلا الخمس والخمس مردود فيكم " ، ولم يخصص القرابة بشيء منه دون غيرهم ، دل ذلك على أنهم فيه كسائر الفقراء يستحقون منه مقدار الكفاية وسد الخلة . ويدل عليه قوله صلى الله عليه وسلم : " يذهب كسرى فلا كسرى بعده أبدا ويذهب قيصر فلا قيصر بعده أبدا والذي نفسي بيده لتنفقن كنوزهما في سبيل الله ! " فأخبر أنه ينفق في سبيل الله ولم يخصص به قوما من قوم . ويدل على أنه كان موكولا إلى رأي النبي صلى الله عليه وسلم أنه أعطى المؤلفة قلوبهم وليس لهم ذكر في آية الخمس ، فدل على ما ذكرنا . ويدل عليه أن كل من سمي في آية الخمس لا يستحق إلا بالفقر وهم اليتامى وابن السبيل ، فكذلك ذو القربى ، لأنه سهم من الخمس . ويدل عليه أنه لما حرم عليهم الصدقة أقيم ذلك لهم مقام ما حرم عليهم منها ، فوجب أن لا يستحقه منهم إلا فقير كما أن الأصل الذي أقيم هذا مقامه لا يستحقه إلا فقير . فإن قيل : موالي بني هاشم لا تحل لهم الصدقة ولم يدخلوا في استحقاق السهم من الخمس . قيل له : هذا غلط ، لأن موالي بني هاشم لهم سهم من الخمس إذ كانوا فقراء على حسب ما هو لبني هاشم . فإن قيل : إذا كانت قرابة رسول الله صلى الله عليه وسلم يستحقون سهمهم بالفقر والحاجة فما وجه تخصيصه إياهم بالذكر وقد دخلوا في جملة المساكين ؟ قيل له : كما خص اليتامى وابن السبيل بالذكر ولا يستحقونه إلا بالفقر ، وأيضا لما سمى الله الخمس لليتامى والمساكين وابن السبيل كما قال : ( إنما الصدقات للفقراء والمساكين ) [ التوبة : 60 ] الآية ، ثم قال النبي صلى الله عليه وسلم : " إن الصدقة لا تحل لآل محمد " فلو لم يسمهم في الخمس جاز أن يظن ظان أنه لا يجوز إعطاؤهم منه كما لا يجوز أن يعطوا من الصدقات ، فسماهم إعلاما منه لنا أن سبيلهم فيه بخلاف سبيلهم في الصدقات .