الجصاص

84

أحكام القرآن

فإن قيل : قد أعطى النبي صلى الله عليه وسلم العباس من الخمس وكان ذا يسار ، فدل على أنه للأغنياء والفقراء منهم . قيل له : الجواب عن هذا من وجهين ، أحدهما : أنه أخبر أنه أعطاهم بالنصرة والقرابة ، لقوله صلى الله عليه وسلم : " إنهم لم يفارقوني في جاهلية ولا إسلام " فاستوى فيه الفقير والغني لتساويهم في النصرة والقرابة . والثاني : أنه جائز أن يكون النبي صلى الله عليه وسلم إنما أعطى العباس ليفرقه في فقراء بني هاشم ولم يعطه لنفسه . وقد اختلف في ذوي القربى من هم ، فقال أصحابنا : " قرابة النبي صلى الله عليه وسلم الذين تحرم عليهم الصدقة هم ذوو قراباته وآله ، وهم آل جعفر وآل عقيل وولد الحارث بن عبد المطلب " ، وروي نحو ذلك عن زيد بن أرقم . وقال آخرون : " بنو المطلب داخلون فيهم لأن النبي صلى الله عليه وسلم أعطاهم من الخمس " . وقال بعضهم : " قريش كلها من أقرباء النبي صلى الله عليه وسلم الذين لهم سهم من الخمس إلا أن للنبي صلى الله عليه وسلم أن يعطيه من رأى منهم " . قال أبو بكر : أما من ذكرناهم فلا خلاف بين الفقهاء أنهم ذوو أقربائه ، وأما بنو المطلب فهم وبنو عبد شمس في القرب من النبي صلى الله عليه وسلم سواء ، فإن وجب أن يدخلوا في القرابة الذين تحرم عليهم الصدقة فواجب أن يكون بنو عبد شمس مثلهم لمساواتهم إياهم في الدرجة ، فأما إعطاء سهم الخمس فإنما خص هؤلاء به دون بني عبد شمس بالنصرة لأنه قال : " لم يفارقوني في جاهلية ولا إسلام " وأما الصدقة فلم يتعلق بتحريمها بالنصرة عند جميع الفقهاء فثبت أن بني المطلب ليسوا من آل النبي صلى الله عليه وسلم الذين تحرم الصدقة عليهم كبني عبد شمس ، وموالي بني هاشم تحرم عليهم الصدقة ولا قرابة لهم ولا يستحقون من الخمس شيئا بالقرابة ، وقد سألته فاطمة رضي الله عنها خادما من الخمس فوكلها إلى التكبير والتحميد ولم يعطها . فإن قيل : إنما لم يعطها لأنها ليست من ذوي قرباه لأنها أقرب إليه من ذوي قرباه . قيل له : فقد خاطب عليا بمثل ذلك وهو من ذوي القربى ، وقال لبعض بنات عمه حين ذهبت مع فاطمة إليه تستخدمه : " سبقكن يتامى بدر " ، وفي يتامى بدر من لم يكن من بني هاشم لأن أكثرهم من الأنصار ، ولو استحقتا بالقرابة شيئا لا يجوز منعهما إياه لما منعهما حقهما ولا عدل بهما إلى غيرهما ، وفي هذا دليل على معنيين أحدهما : أن سهمهم من الخمس أمره كان موكولا إلى رأي النبي صلى الله عليه وسلم في أن يعطيه من شاء منهم ، والثاني : أن إعطاءهم من الخمس أو منعه لا تعلق له بتحريم الصدقة . وأما من قال إن قرابة النبي صلى الله عليه وسلم قريش كلها فإنه يحتج لذلك بأنه لما نزلت : ( وأنذر عشيرتك الأقربين ) [ الشعراء : 214 ] قال النبي صلى الله عليه وسلم : " يا بني فهر يا بني عدي يا بني فلان " - لبطون قريش - غني نذير لكم بين يدي عذاب شديد " . وروي عنه أنه قال : " يا بني