الجصاص
67
أحكام القرآن
للنبي صلى الله عليه وسلم من الأنفال إلا ما كان شرطه قبل إحراز الغنيمة ، نحو أن يقول : من أصاب شيئا فهو له ، ومن قتل قتيلا فله سلبه ، لأن ذلك لم ينتظمه قوله تعالى : ( واعلموا أنما غنمتم من شئ ) إذ لم يحصل ذلك غنيمة لغير آخذه أو قاتله . وقد اختلف في النفل بعد إحراز الغنيمة . ذكر الخلاف فيه قال أصحابنا والثوري : " لا نفل بعد إحراز الغنيمة إنما النفل أن يقول : من قتل قتيلا فله سلبه ومن أصاب شيئا فهو له " . وقال الأوزاعي : " في رسول الله أسوة حسنة ، كان ينفل في البدء الربع وفي الرجعة الثلث " . وقال مالك والشافعي : " يجوز أن ينفل بعد إحراز الغنيمة على وجه الاجتهاد " . قال الشيخ : ولا خلاف في جواز النفل قبل إحراز الغنيمة ، نحو أن يقول : من أخذ شيئا فهو له ومن قتل قتيلا فله سلبه ، وقد روى حبيب بن مسلمة أن رسول الله صلى الله عليه وسلم نفل في بدأته الربع وفي رجعته الثلث بعد الخمس ، فأما التنفيل في البدأة فقد ذكرنا اتفاق الفقهاء عليه ، وأما قوله : في الرجعة الثلث ، فإنه يحتمل وجهين ، أحدهما : ما يصيب السرية في الرجعة بأن يقول لهم : ما أصبتم من شيء فلكم الثلث بعد الخمس ، ومعلوم أن ذلك بلفظ عموم في سائر الغنائم وإنما هي حكاية فعل النبي صلى الله عليه وسلم في شئ بعينه لم يبين كيفيته ، وجائز أن يكون معناه ما ذكرناه من قوله للسرية في الرجعة وجعل لهم في الرجعة أكثر مما جعله في البدأة ، لأن في الرجعة يحتاج إلى حفظ الغنائم وإحرازها ويكون من حواليهم الكفار متأهبين مستعدين للقتال لانتشار الخبر بوقوع الجيش إلى أرضهم . والوجه الآخر : أنه جائز أن يكون ذلك بعد إحراز الغنيمة ، وكان ذلك في الوقت الذي كانت الغنيمة كلها للنبي صلى الله عليه وسلم فجعلها لمن شاء منهم ، وذلك منسوخ بما ذكرنا . فإن قيل : ذكر في حديث حبيب بن مسلمة الثلث بعد الخمس ، فهذا يدل على أن ذلك كان بعد قوله : ( واعلموا أنما غنمتم من شيء فأن لله خمسه ) . قيل له : لا دلالة فيه على ما ذكرت ، لأنه لم يذكر أنه الخمس المستحق لأهله من جملة الغنيمة بقوله تعالى : ( فأن لله خمسه ) ، وجائز أن يكون ذلك على خمس من الغنيمة لا فرق بينه وبين الثلث والنصف . ولما احتمل حديث حبيب بن مسلمة ما وصفنا لم يجز الاعتراض به على ظاهر قوله تعالى : ( واعملوا أنما غنمتم من شيء فأن لله خمسه ) إذ كان قوله ذلك يقتضي إيجاب الأربعة الأخماس للغانمين اقتضاءه إيجاب الخمس لأهله المذكورين ، فمتى أحرزت الغنيمة فقد ثبت حق الجميع فيها بظاهر الآية ، فغير جائز أن يجعل شيء منها