الجصاص
611
أحكام القرآن
فاختصما إلى عثمان فقضى لها بالميراث فلامت الهاشمية عثمان ، فقال : هذا عمل ابن عمك هو أشار علينا بذلك ، يعني علي بن أبي طالب . وروى ابن وهب قال : أخبرني يونس عن ابن شهاب بهذه القصة قال : وبقيت تسعة أشهر لا تحيض ، وذكر القصة ، فشاور عثمان عليا وزيدا فقالا : ترثه ، لأنها ليست من القواعد اللائي قد يئسن من المحيض ولا من الأبكار اللائي لم يحضن ، وهي عنده على حيضتها ما كانت من قليل أو كثير . وهذا يدل من قولهما أن قوله تعالى : ( إن ارتبتم ) ليس على ارتياب المرأة ولكنه على ارتياب الشاكين في حكم عددهن ، وأنها لا تكون آيسة حتى تكون من القواعد اللاتي لا يرجى حيضهن . وروي عن ابن مسعود مثل ذلك . واختلف فقهاء الأمصار في ذلك أيضا ، فقال أصحابنا في التي يرتفع حيضها لا لإياس منه في المستأنف : " إن عدتها الحيض حتى تدخل في السن التي لا تحيض أهلها من النساء فتستأنف عدة الآيسة ثلاثة أشهر " . وهو قول الثوري والليث والشافعي . وقال مالك : " تنتظر تسعة أشهر فإن لم تحض فيهن اعتدت ثلاثة أشهر ، فإن حاضت قبل أن تستكمل الثلاثة أشهر استقبلت الحيض ، فإن مضت بها تسعة أشهر قبل أن تحيض اعتدت ثلاثة أشهر " . وقال ابن القاسم عن مالك : " إذا حاضت المطلقة ثم ارتابت فإنما تعتد بالتسعة الأشهر من يوم رفعت حيضتها لا من يوم طلقت " ، قال مالك في قوله تعالى : ( إن ارتبتم ) " معناه إن لم تدروا ما تصنعون في أمرها " . وقال الأوزاعي في رجل طلق امرأته وهي شابة فارتفعت حيضتها فلم تر شيئا ثلاثة أشهر : " فإنها تعتد سنة " . قال أبو بكر : أوجب الله بهذه الآية عدة الآيسة ثلاثة أشهر ، واقتضى ظاهر اللفظ أن تكون هذه العدة لمن قد ثبت إياسها من الحيض من غير ارتياب ، كما كان قوله : ( واللائي لم يحضن ) لمن ثبت أنها لم تحض ، وكقوله : ( وأولات الأحمال أجلهن ) [ الطلاق : 4 ] لمن قد ثبت حملها ، فكذلك قوله : ( واللائي يئسن ) لمن قد ثبت إياسها وتيقن ذلك منها دون من يشك في إياسها . ثم لا يخلو قوله : ( إن ارتبتم ) من أحد وجوه ثلاثة : إما أن يكون المراد الارتياب في أنها آيسة أو ليست بآيسة ، أو الارتياب في أنها حامل أو غير حامل ، أو ارتياب المخاطبين في عدة الآيسة والصغيرة ، وغير جائز أن يكون المراد الارتياب في أنها آيسة أو غير آيسة لأنه تعالى قد أثبت من جعل الشهور عدتها أنها آيسة ، والمشكوك فيها لا تكون آيسة لاستحالة مجامعة اليأس للرجاء إذ هما ضدان لا يجوز اجتماعهما حتى تكون آيسة من المحيض مرجوا ذلك منها ، فبطل أن يكون المعنى الارتياب في اليأس . ومن جهة أخرى اتفاق الجميع على أن المسنة التي قد تيقن إياسها من الحيض مرادة بالآية ، والارتياب المذكور راجع إلى جميع المخاطبين