الجصاص

612

أحكام القرآن

وهو في التي قد تيقن إياسها ارتياب المخاطبين في العدة ، فوجب أن يكون في المشكوك في إياسها مثله لعموم اللفظ في الجميع . وأيضا فإذا كانت عادتها وهي شابة أنها تحيض في كل سنة مرة ، فهذه غير مرتاب في إياسها بل قد تيقن أنها من ذوات الحيض ، فكيف يجوز أن تكون عدتها سنة مع العلم بأنها غير آيسة وأنها من ذوات الحيض ! وتراخي ما بين الحيضتين من المدة لا يخرجها من أن تكون من ذوات الحيض ، فالموجب عليها عدة الشهور مخالف للكتاب ، لأن الله تعالى جعل عدة ذوات الأقراء الحيض بقوله تعالى : ( والمطلقات يتربصن بأنفسهن ثلاثة قروء ) [ البقرة : 288 ] ولم يفرق بين من طالت مدة حيضتها أو قصرت . ولا يجوز أيضا أن يكون المراد الارتياب في الإياس من الحمل ، لأن اليأس من الحيض هو الإياس من الحبل ، وقد دللنا على بطلان قول من رد الارتياب إلى الحيض ، فلم يبق إلا الوجه الثالث ، وهو ارتياب المخاطبين ، على ما روي عن أبي بن كعب حين سأل النبي صلى الله عليه وسلم حين شك في عدة الآيسة والصغيرة . وأيضا لو كان المراد الارتياب في الإياس لكان توجيه الخطاب إليهن أولى من توجيهه إلى الرجال ، لأن الحيض إنما يتوصل إلى معرفته من جهتها ، ولذلك كانت مصدقة فيه ، فكان يقول : إن ارتبتن أو ارتبن ، فلما خاطب الرجال بذلك دونهن علم أنه أراد ارتياب المخاطبين في العدة . وقوله تعالى : ( واللائي لم يحضن ) يعني : واللائي لم يحضن عدتهن ثلاثة أشهر ، لأنه كلام لا يستقل بنفسه فلا بد له من ضمير ، وضميره ما تقدم ذكره مظهرا وهو العدة بالشهور . باب عدة الحامل قال الله تعالى : ( وأولات الأحمال أجلهن أن يضعن حملهن ) . قال أبو بكر : لم يختلف السلف والخلف بعدهم أن عدة المطلقة الحامل أن تضع حملها ، واختلف السلف في عدة الحامل المتوفى عنها زوجها ، فقال علي وابن عباس : " تعتد الحامل المتوفى عنها زوجها آخر الأجلين " . وقال عمر وابن مسعود وابن عمر وأبو مسعود البدري وأبو هريرة : " عدتها الحمل فإذا وضعت حلت للأزواج " ، وهو قول فقهاء الأمصار . قال أبو بكر : روى إبراهيم عن علقمة عن ابن مسعود قال : " من شاء لاعنته ما نزلت : ( وأولات الأحمال أجلهن ) إلا بعد آية المتوفى عنها زوجها " . قال أبو بكر : قد تضمن قول ابن مسعود هذا معنيين ، أحدهما : إثبات تاريخ نزول الآية وأنها نزلت بعد ذكر الشهور للمتوفى عنها زوجها ، والثاني : أن الآية مكتفية بنفسها في إفادة الحكم على عمومها غير مضمنة بما قبلها من ذكر المطلقة ، فوجب اعتبار الحمل في الجميع من المطلقات