الجصاص
61
أحكام القرآن
ويدل على أن غلط الرواية في أن النبي صلى الله عليه وسلم قال يوم بدر : " من أصاب شيئا فهو له " وأنه نفل القاتل وغيره ما حدثنا محمد بن بكر قال : حدثنا أبو داود قال . حدثنا هناد بن السري عن أبي بكر عن عاصم عن مصعب بن سعد عن أبيه قال : جئت إلى النبي صلى الله عليه وسلم يوم بدر بسيف فقلت : يا رسول الله إن الله قد شفى صدري اليوم من العدو فهب لي هذا السيف ! فقال : " إن هذا السيف ليس لي ولا لك " ، فذهبت وأنا أقول يعطاه اليوم من لم يبل بلائي ، فبينا أنا إذ جاءني الرسول فقال : أجب ! فظننت أنه نزل في شيء بكلامي ، فجئت فقال لي النبي صلى الله عليه وسلم : " إنك سألتني هذا السيف وليس هو لي ولا لك وإن الله قد جعله لي فهو لك " ثم قرأ : ( يسألونك عن الأنفال قل الأنفال لله والرسول ) . فأخبر النبي صلى الله عليه وسلم أنه لم يكن له ولا لسعد قبل نزول سورة الأنفال ، وأخبر أنه لما جعله الله له آثره به ، وفي ذلك دليل على فساد رواية من روى أن النبي صلى الله عليه وسلم نفلهم قبل القتال وقال من أخذ شيئا فهو له . وقوله تعالى : ( وإذ يعدكم الله إحدى الطائفتين أنها لكم ) . في هذه القصة ضروب من دلائل النبوة ، أحدها : اخباره إياهم بأن إحدى الطائفتين لهم ، وهي عير قريش التي كانت فيها أموالهم وجيشهم الذين خرجوا لحمايتها ، فكان وعده على ما وعده . وقوله تعالى : ( وتودون أن غير ذات الشوكة تكون لكم ) يعني أن المؤمنين كانوا يودون الظفر لما فيها الأموال وقلة المقاتلة ، وذلك لأنهم خرجوا مستخفين غير مستعدين للحرب ، لأنهم لم يظنوا أن قريشا تخرج لقتالهم . وقوله تعالى : ( ويريد الله أن يحق الحق بكلماته ويقطع دابر الكافرين ) ، وهو إنجاز موعده لهم في قطع دابر الكافرين وقتلهم . وقوله تعالى : ( فاستجاب لكم إني ممدكم بألف من الملائكة مردفين وما جعله الله إلا بشرى ولتطمئن به قلوبكم ) ، فوجد مخبر هذه الأخبار على ما أخبر به ، فكان من طمأنينة قلوب المؤمنين ما أخبر به . وقال تعالى : ( إذ يغشيكم النعاس أمنة منه ) فألقى عليهم النعاس في الوقت الذي يطير فيه النعاس بإظلال العدو عليهم بالعدة والسلاح وهم أضعافهم . ثم قال : ( ( وينزل عليكم من السماء ماء ليطهركم به ) يعني من الجنابة ، لأن فيهم من كان احتلم وهو رجز الشيطان لأنه من وسوسته في المنام ( وليربط على قلوبكم ) بما صار في قلوبهم من الأمنة والثقة بموعود الله ( ويثبت به الأقدام ) يحتمل من وجهين ، أحدهما : صحة البصيرة والأمن والثقة الموجبة لثبات الأقدام ، والثاني : أن موضعهم كان رملا دهسا