الجصاص

62

أحكام القرآن

لا تثبت فيه الأقدام فأنزل الله تعالى من المطر ما لبد الرمل وثبت عليه الأقدام ، وقد روي ذلك في التفسير . قوله تعالى : ( إذ يوحي ربك إلى الملائكة أني معكم ) أي أنصركم ( فثبتوا الذين آمنوا ) وذلك يحتمل وجهين ، أحدهما : إلقاؤهم إلى المؤمنين بالخاطر والتنبيه أن الله سينصرهم على الكافرين فيكون ذلك سببا لثباتهم وتحزبهم على الكفار ، ويحتمل أن يكون التثبيت بإخبار النبي صلى الله عليه وسلم أن الله سينصره والمؤمنين فيخبر النبي عليه السلام بذلك المؤمنين فيدعوهم ذلك إلى الثبات . ثم قال : ( وما رميت إذ رميت ولكن الله رمى ) ، وذلك أن النبي صلى الله عليه وسلم أخذ كفا من تراب ورمى به وجوههم فانهزموا ولم يبق منهم أحد إلا دخل من ذلك التراب في عينيه . وعنى بذلك أن الله بلغ ذلك التراب وجوههم وعيونهم ، إذ لم يكن في وسع أحد من المخلوقين أن يبلغ ذلك التراب عيونهم من الموضع الذي كان فيه النبي صلى الله عليه وسلم . وهذه كلها من دلائل النبوة . ومنها وجود مخبرات هذه الأخبار على ما أخبر به ، فلا يجوز أن يتفق مثلها تخرصا وتخمينا . ومنها ما أنزل من المطر الذي لبد الرمل حتى ثبتت أقدامهم عليه وصاروا وبالا على عدوهم ، لأن في الخبر أن أرضهم صارت وحلا حتى منعهم من المسير . ومنها الطمأنينة التي صارت في قلوبهم بعد كراهتهم للقاء الجيش . ومنها النعاس الذي وقع عليهم في الحال التي يطير فيها النعاس ، ومنها رميه للتراب وهزيمة الكفار به . الكلام في الفرار من الزحف قال الله تعالى : ( ومن يولهم يومئذ دبره إلا متحرفا لقتال أو متحيزا إلى فئة ) . روى أبو نضرة عن أبي سعيد أن ذلك إنما كان يوم بدر ، قال أبو نضرة : " لأنهم لو انحازوا يومئذ لانحازوا إلى المشركين ولم يكن يومئذ مسلم غيرهم " . وهذا الذي قاله أبو نضرة ليس بسديد ، لأنه قد كان بالمدينة خلق كثير من الأنصار ولم يأمرهم النبي عليه السلام بالخروج ولم يكونوا يرون أنه يكون قتال ، وإنما ظنوا أنها العير ، فخرج رسول الله صلى الله عليه وسلم فيمن خف معه . فقول أبي نضرة أنه لم يكن هناك مسلم غيرهم وإنهم لو انحازوا انحازوا إلى المشركين غلط لما وصفنا . وقد قيل إنهم لم يكن جائزا لهم الانحياز يومئذ لأنهم كانوا مع رسول الله صلى الله عليه وسلم ولم يكن الانحياز جائزا لهم عنه ، قال الله تعالى : ( ما كان لأهل المدينة ومن حولهم من الأعراب أن يتخلفوا عن رسول الله ولا يرغبوا بأنفسهم عن نفسه ) [ التوبة : 120 ] فلم يكن يجوز لهم أن يخذلوا نبيهم صلى الله عليه وسلم وينصرفوا عنه ويسلموه ، وإن كان الله قد تكفل بنصره وعصمه من الناس كما قال الله تعالى : ( والله يعصمك من