الجصاص

603

أحكام القرآن

ومن سورة المنافقين بسم الله الرحمن الرحيم قال الله تعالى : ( إذا جاءك المنافقون قالوا نشهد إنك لرسول الله ) إلى قوله : ( اتخذوا أيمانهم جنة فصدوا عن سبيل الله ) . قال أبو بكر : هذا يدل على أن قوله : " أشهد " يمين ، لأن القوم قالوا : " نشهد " فجعله الله يمينا بقوله : ( اتخذوا أيمانهم جنة ) . وقد اختلف الفقهاء في ذلك ، فقال أصحابنا والثوري والأوزاعي : " أشهد وأقسم وأعز وأحلف كلها أيمان " . وقال زفر : " إذا قال أقسم لأفعلن فهو يمين ولو قال أشهد لأفعلن لم يكن يمينا " . وقال مالك : " إن أراد بقوله أقسم أي أقسم بالله فهو يمين وإلا فلا شئ وكذلك أحلف " : قال ولو قال أعزم لم يكن يمينا إلا أن يقول أعزم بالله ، ولو قال علي نذر أو قال نذر لله فهو على ما نوى ، وإن لم تكن له نية فكفارته كفارة يمين " . وقال الشافعي : " أقسم ليس بيمين وأقسم بالله يمين إن أرادها ، وإن أراد الموعد فليست بيمين ، وأشهد بالله إن نوى اليمين فيمين وإن لم ينو يمينا فليست بيمين ، وأعزم بالله إن أراد يمينا فهو يمين " . وذكر الربيع عن الشافعي : " إذا قال أقسم أو أشهد أو أعزم ولم يقل بالله فهو كقوله والله ، وإن قال أحلف بالله فلا شئ عليه إلا أن ينوي اليمين " . قال أبو بكر : لا يختلفون أن " أشهد بالله " يمين فكذلك " أشهد " من وجهين ، أحدهما : أن الله حكى عن المنافقين أنهم قالوا : " نشهد إنك لرسول الله " ثم جعل هذا الإطلاق يمينا من غير أن يقرنه باسم الله ، وقال تعالى : ( فشهادة أحدهم أربع شهادات بالله ) [ النور : 6 ] فعبر عن اليمين بالشهادة على الإطلاق . والثاني : أنه لما أخرج ذلك مخرج القسم وجب أن لا يختلف حكمه في حذف اسم الله تعالى وفي إظهاره ، وقد ذكر الله تعالى القسم في كتابه فأظهر تارة الاسم وحذفه أخرى والمفهوم باللفظ في الحالين واحد بقوله : ( وأقسموا بالله جهد أيمانهم ) [ الأنعام : 109 ] ، وقال في موضع آخر : ( إذ أقسموا ليصر منها مصبحين ) [ القلم : 17 ] ، فحذفه تارة اكتفاء بعلم المخاطبين بإضماره وأظهره أخرى . وروى الزهري عن عبيد الله بن عبد الله بن عتبة عن ابن عباس أن أبا بكر