الجصاص

530

أحكام القرآن

من الأمر لعنتم ) قال : فأنتم أسخف رأيا وأطيش أحلاما ، فاتهم رجل رأيه وانتصح كتاب الله . وروي عن الحسن قال : " والله لئن كانت نزلت في رجل - يعني قوله : ( إن جاءكم فاسق بنبأ فتبينوا ) - إنها لمرسلة إلى يوم القيامة ما نسخها شيء " . قال أبو بكر : مقتضى الآية إيجاب التثبت في خبر الفاسق والنهي عن الإقدام على قبوله والعمل به إلا بعد التبين والعلم بصحة مخبره ، وذلك لأن قراءة هذه الآية على وجهين : " فتثبتوا " من التثبت ، و ( فتبينوا ) ، كلتاهما يقتضي النهي عن قبول خبره إلا بعد العلم بصحته ، لأن قوله : " فتثبتوا " فيه أمر بالتثبت لئلا يصيب قوما بجهالة ، فاقتضى ذلك النهي عن الإقدام إلا بعد العلم لئلا يصيب قوما بجهالة ، وأما قوله : ( فتبينوا ) فإن التبين هو العلم ، فاقتضى أن لا يقدم بخبره إلا بعد العلم ، فاقتضى ذلك النهي عن قبول شهادة الفاسق مطلقا إذ كان كل شهادة خبرا ، وكذلك سائر أخباره ، فلذلك قلنا شهادة الفاسق غير مقبولة في شيء من الحقوق ، وكذلك اخباره في الرواية عن النبي صلى الله عليه وسلم وكل ما كان من أمر الدين يتعلق به من إثبات شرع أو حكم أو إثبات حق على انسان . واتفق أهل العلم على جواز قبول خبر الفاسق في أشياء ، فمنها : أمور المعاملات يقبل فيها خبر الفاسق ، وذلك نحو الهدية إذا قال : " إن فلانا أهدى إليك هذا " يجوز له قبوله وقبضه ، ونحو قوله : " وكلني فلان ببيع عبده هذا " فيجوز شراؤه منه ، ونحو الإذن في الدخول إذا قال له قائل : " ادخل " لا تعتبر فيه العدالة ، وكذلك جميع أخبار المعاملات . ويقبل في جميع ذلك خبر الصبي والعبد والذمي ، وقبل النبي صلى الله عليه وسلم خبر بريرة فيما أهدت إلى النبي صلى الله عليه وسلم ، وكان يتصدق عليها ، فقال النبي صلى الله عليه وسلم : " هي لها صدقة ولنا هدية " ، فقبل قولها في أنه تصدق به عليها وأن ملك المتصدق قد زال إليها . ويقبل قول الفاسق وشهادته من وجه آخر ، وهو من كان فسقه من جهة الدين باعتقاد مذهب وهم أهل الأهواء فساق وشهادتهم مقبولة ، وعلى ذلك جرى أمر السلف في قبول أخبار أهل الأهواء في رواية الأحاديث وشهادتهم ، ولم يكن فسقهم من جهة التدين مانعا من قبول شهادتهم . وتقبل أيضا شهادة أهل الذمة بعضهم على بعض ، وقد بيناه فيما سلف من هذا الكتاب . فهذه الوجوه الثلاثة يقبل فيها خبر الفاسق ، وهو مستثنى من جملة قوله تعالى : ( إن جاءكم فاسق بنبأ فتبينوا ) لدلائل قد قامت عليه ، فثبت أن مراد الآية في الشهادات وإلزام الحقوق أو إثبات أحكام الدين والفسق التي ليست من جهة الدين والاعتقاد . وفي هذه الآية دلالة على أن خبر الواحد لا يوجب العلم ، إذ لو كان يوجب العلم بحال لما احتيج فيه إلى التثبت ، ومن الناس من يحتج به في جواز قبول خبر الواحد العدل ويجعل تخصيصه الفاسق بالتثبت في خبره دليلا على أن التثبت في خبر العدل غير