الجصاص

531

أحكام القرآن

جائز ، وهذا غلط لأن تخصيص الشيء بالذكر لا يدل على أن ما عداه فحكمه بخلافه . باب قتال أهل البغي قال الله تعالى : ( وإن طائفتان من المؤمنين اقتتلوا فأصلحوا بينهما ) . حدثنا عبد الله بن محمد قال : حدثنا الحسن بن أبي الربيع قال : أخبرنا عبد الرزاق عن معمر عن الحسن : أن قوما من المسلمين كان بينهم تنازع حتى اضطربوا بالنعال والأيدي ، فأنزل الله فيهم : ( وإن طائفتان من المؤمنين اقتتلوا فأصلحوا بينهما ) ، قال معمر : قال قتادة : وكان رجلان بينهما حق تدارءا فيه ، فقال أحدهما : لآخذنه عنوة ! لكثرة عشيرته ، وقال الآخر : بيني وبينك رسول الله صلى الله عليه وسلم ، فتنازعا حتى كان بينهما ضرب بالنعال والأيدي . وروي عن سعيد بن جبير والشعبي قالا : كان قتالهم بالعصي والنعال . وقال مجاهد : هم الأوس والخزرج كان بينهم قتال بالعصي . قال أبو بكر : قد اقتضى ظاهر الآية الأمر بقتال الفئة الباغية حتى ترجع إلى أمر الله ، وهو عموم في سائر ضروب القتال ، فإن فاءت إلى الحق بالقتال بالعصي والنعال لم يتجاوز به إلى غيره ، وإن لم تفىء بذلك قوتلت بالسيف على ما تضمنه ظاهر الآية . وغير جائز لأحد الاقتصار على القتال بالعصي دون السلاح مع الإقامة على البغي وترك الرجوع إلى الحق ، وذلك أحد ضروب الأمر بالمعروف والنهي عن المنكر ، وقد قال النبي صلى الله عليه وسلم : " من رأى منكم منكرا فليغيره بيده فإن لم يستطع فبلسانه فإن لم يستطع فبقلبه وذاك أضعف الإيمان " ، فأمر بإزالة المنكر باليد ولم يفرق بين السلاح وما دونه ، فظاهره يقتضي وجوب إزالته بأي شيء أمكن . وذهب قوم من الحشو إلى أن قتال أهل البغي إنما يكون بالعصي والنعال وما دون السلاح وأنهم لا يقاتلون بالسيف ، واحتجوا بما روينا من سبب نزول الآية وقتال القوم الذين تقاتلوا بالعصي والنعال . وهذا لا دلالة فيه على ما ذكروا ، لأن القوم تقاتلوا بما دون السلاح ، فأمر الله تعالى بقتال الباغي منهما ولم يخصص قتالنا إياه بما دون السلاح . وكذلك نقول متى ظهر لنا قتال من فئة على وجه البغي قابلناه بالسلاح وبما دونه حتى ترجع إلى الحق ، وليس في نزول الآية على حال قتال الباغي لنا بغير سلاح ما يوجب أن يكون الأمر بقتالنا إياهم مقصورا على ما دون السلاح مع اقتضاء عموم اللفظ للقتال بسلاح وغيره ، ألا ترى أنه لو قال : " من قاتلكم بالعصي فقاتلوه بالسلاح " لم يتناقص القول به ؟ فكذلك أمره إيانا بقتالهم ، إذ كان عمومه يقتضي القتال بسلاح وغيره ، وجب أن يجري على عمومه . وأيضا قاتل علي بن أبي طالب رضي الله عنه الفئة الباغية بالسيف