الجصاص

45

أحكام القرآن

يديه في الدعاء لا يردهما حتى يمسح بهما وجهه " . قال أبو بكر : في هذه الآية وما ذكرنا من الآثار دليل على أن إخفاء الدعاء أفضل من إظهاره ، لأن الخفية هي السر ، روي ذلك عن ابن عباس والحسن . وفي ذلك دليل على أن إخفاء " آمين " بعد قراءة فاتحة الكتاب في الصلاة أفضل من إظهاره لأنه دعاء ، والدليل عليه ما روي في تأويل قوله تعالى : ( قد أجيبت دعوتكما ) [ يونس : 89 ] قال : كان موسى يدعو وهارون يؤمن ، فسماهما الله داعيين . وقال بعض أهل العلم : إنما كان إخفاء الدعاء أفضل لأنه لا يشوبه رياء . وأما التضرع فإنه قد قيل إنه الميل في الجهات ، يقال ضرع الرجل يضرع ضرعا إذا مال بأصبعيه يمينا وشمالا خوفا وذلا ، قال : ومنه ضرع الشاة لأن اللبن يميل إليه ، والمضارعة المشابهة لأنها تميل إلى شبه نحو المقاربة . وقد روي عن النبي صلى الله عليه وسلم : " أنه كان يدعو ويشير بالسبابة " . وقال ابن عباس : " لقد رئي النبي صلى الله عليه وسلم عشية عرفة رافعا يديه يدعو حتى إنه ليرى ما تحت إبطيه " . وقال أنس : " رأيت رسول الله صلى الله عليه وسلم استسقى فمد يديه حتى رأيت بياض إبطيه " . وفيما روي عن النبي صلى الله عليه وسلم من رفع اليدين في الدعاء والإشارة بالسبابة دليل على صحة تأويل من تأول التضرع على تحويل الأصبع يمينا وشمالا . قوله تعالى : ( وواعدنا موسى ثلاثين ليلة وأتممناها بعشر فتم ميقات ربه أربعين ليلة ) . قال أبو بكر : إنما قال تعالى : ( فتم ميقات ربه أربعين ليلة ) لأنه لما قال : ( ثلاثين ليلة وأتممناها بعشر ) جاز أن يسبق إلى وهم بعض السامعين أنه كان عشرين ليلة ثم أتمها بعشر فصار ثلاثين ليلة ، فأزال هذا التوهم والتجوز وأخبر أنه أتم الثلاثين بعشر غيرها زيادة عليها . قوله تعالى : ( قال رب أرني أنظر إليك ) . قيل إنه سأل الرؤية على جهة استخراج الجواب لقومه لما قالوا لن نؤمن لك حتى نرى الله جهرة ، ويدل عليه قوله تعالى : ( أتهلكنا بما فعل السفهاء منا ) . وقيل : إنه سأله الرؤية التي هي علم الضرورة ، فبين الله تعالى له أن ذلك لا يكون في الدنيا . فإن قيل : فلم جاز أن يسأل الرؤية وهي غير جائزة على الله تعالى ؟ وهل يجوز على هذا أن يسأله ما لا يجوز على الله تعالى من الظلم ؟ . قيل له : لأنه لا شبهة في فعل الظلم أنه صفة نقص وذم فلا يجوز سؤال مثله ، وليس كذلك ما فيه شبهة ولا يظهر حكمه إلا بالدلالة ، وهذا إن كان سأل الرؤية من غير تشبيه على ما روي عن الحسن والربيع بن أنس والسدي وإن كان إنما سأل الرؤية التي هي علم الضرورة أو استخراج الجواب لقومه ،