الجصاص

46

أحكام القرآن

فهذا السؤال ساقط . وقيل توبة موسى إنما كانت من التقدم بالمسألة قبل الإذن فيها ، ويحتمل أن يكون ذكر التوبة على وجه التسبيح على ما جرت عادة المسلمين بمثله عند ظهور دلائل الآيات الداعية إلى التعظيم قوله تعالى : ( فلما تجلى ربه للجبل ) ، فإن التجلي على وجهين : ظهور بالرؤية أو الدلالة ، والرؤية مستحيلة في الله تعالى فهو ظهور آياته التي أحدثها لحاضري الجبل وقيل : إنه أبرز من ملكوته للجبل ما يدكدك به ، لأن في حكمه تعالى أن الدنيا لا تقوم لما يبرز من الملكوت الذي في السماء ، كما روي أنه أبرز قدر الخنصر من العرش . وقوله تعالى : ( وأمر قومك يأخذوا بأحسنها ) قيل : بأحسن ما كتب فيه ، وهو الفرائض والنوافل دون المباح الذي لا حمد فيه ولا ثواب ، وكذلك قوله : ( فبشر عبادي الذين يستمعون القول فيتبعون أحسنه ) [ الزمر : 18 ] . وقال بعض أهل العلم : أحسنها الناسخ دون المنسوخ المنهي عنه . وقد قيل إن هذا لا يجوز ، لأن فعل المنسوخ المنهي عنه قبيح ، فلا يقال الحسن أحسن من القبيح . قوله تعالى : ( سأصرف عن آياتي الذين يتكبرون في الأرض ) قيل إن معناه : عن آياتي من العز والكرامة بالدلالة التي تكسب الرفعة في الدنيا والآخرة ، ويحتمل : صرفهم عن الاعتراض على آياتي بالإبطال أو بالمنع من الإظهار للناس . ولا يجوز أن يكون معناه : سأصرف عن الإيمان بآياتي ، لأنه لا يجوز أن يأمر بالإيمان ثم يمنع منه إذ كان ذلك سفها وعبثا . قوله تعالى : ( أعجلتم أمر ربكم ) . قد قيل إن العجلة التقدم بالشئ قبل وقته ، وسرعة عمله في أول أوقاته ، ولذلك صارت العجلة مذمومة . وقد يكون تعجيل الشئ في وقته ، كما روي : " أن النبي صلى الله عليه وسلم كان يعجل الظهر في الشتاء ويبرد بها في الصيف " . وقوله تعالى : ( وأخذ برأس أخيه يجره إليه ) ، كان على وجه المعاتبة لا على وجه الإهانة ، ولأن مثل هذه الأفعال تختلف أحكامها بالعادة ، فلم تكن للعادة حينئذ فعله على وجه الإهانة . وقيل : إنه بمنزلة قبض الرجل منا عند غضبه على لحيته وعضه على شفته وإبهامه . قوله تعالى : ( فخلف من بعدهم خلف ) . قيل إن الأغلب في " خلف " بتسكين العين أنه للذم ، وقال لبيد : وبقيت في خلف كجلد الأجرب *