الجصاص

426

أحكام القرآن

باب استئذان المماليك والصبيان قال الله تعالى : ( يا أيها الذين آمنوا ليستأذنكم الذين ملكت أيمانكم والذين لم يبلغوا الحلم منكم ) الآية . وروي ليث بن أبي سليم عن نافع عن ابن عمر وسفيان عن أبي حصين عن أبي عبد الرحمن : ( ليستأذنكم الذين ملكت أيمانكم ) قالا : " هو في النساء خاصة والرجال يستأذنون على كل حال بالليل والنهار " . قال أبو بكر : أنكر بعضهم هذا التأويل ، قال : لأن النساء لا يطلق فيهن " الذين " إذا انفردن ، وإنما يقال : " اللائي " كما قال تعالى : ( واللائي يئسن من المحيض ) [ الطلاق : 4 ] . قال أبو بكر : هذا يجوز إذا عبر بلفظ المماليك ، كما أن النساء إذا عبر عنهن بالأشخاص ، وكذلك جائز أن تذكر الإناث إذا عبرت عنهن بلفظ المماليك دون النساء ودون الإماء ، لأن التذكير والتأنيث يتبعان اللفظ كما تقول : " ثلاث ملاحف " فإذا عبرت بالأزر ذكرت فقلت : " ثلاثة أزر " فالظاهر أن المراد الذكور والإناث من المماليك وليس العبيد ، لأن العبيد مأمورين بالاستئذان في كل وقت ما يوجب الاقتصار بالأمر في العورات الثلاث على الإماء دونهم ، إذ كانوا مأمورين في سائر الأوقات ، ففي هذه الأوقات الثلاثة أولى أن يكونوا مأمورين به . حدثنا محمد بن بكر قال : حدثنا أبو داود قال : حدثنا ابن السرح والصباح بن سفيان وابن عبدة - وهذا حديثه - قال : أخبرنا سفيان عن عبيد الله بن أبي يزيد عن ابن عباس قال : سمعته يقول : " لم يأمر بها أكثر الناس آية الإذن ، وإني لآمر جاريتي هذه تستأذن علي " . وحدثنا محمد بن بكر قال : حدثنا أبو داود قال : حدثنا القعنبي قال : حدثنا عبد العزيز بن محمد عن عمرو بن أبي عمرو عن عكرمة أن نفرا من أهل العراق قالوا : يا ابن عباس كيف ترى هذه الآية التي أمرنا فيها بما أمرنا ولا يعمل بها أحد ، قول الله تعالى : ( يا أيها الذين آمنوا ليستأذنكم الذين ملكت أيمانكم والذين لم يبلغوا الحلم منكم ثلاث مرات ) الآية ، إلى قوله : ( عليم حكيم ) ؟ قال ابن عباس : " إن الله حليم رحيم بالمؤمنين يحب الستر ، وكان الناس ليس لبيوتهم ستر ولا حجاب فربما دخل الخادم أو الولد أو يتيمة الرجل والرجل على أهله ، فأمرهم الله بالاستئذان في تلك العورات ، فجاءهم الله بالستور والخير فلم أر أحدا يعمل بذلك بعد " . قال أبو بكر : وفي بعض ألفاظ حديث ابن عباس هذا ، وهو حديث سليمان بن بلال عن عمرو بن أبي عمرو : " فلما أتى الله بالخير واتخذوا الستور والحجاب رأى الناس أن ذلك قد كفاهم من الاستئذان الذي أمروا به " . فأخبر ابن عباس أن الأمر بالاستئذان في هذه الآية كان متعلقا بسبب ، فلما زال السبب زال الحكم . وهذا يدل على أنه لم ير الآية