الجصاص
427
أحكام القرآن
منسوخة ، وأن مثل ذلك السبب لو عاد لعاد الحكم ، وقال الشعبي أيضا إنها ليست بمنسوخة . وهذا نحو ما فرض الله تعالى من الميراث بالموالاة بقوله تعالى : ( والذين عاقدت أيمانكم فآتوهم نصيبهم ) [ النساء : 33 ] ، فكانوا يتوارثون بذلك ، فلما أوجب التوارث بالنسب جعل ذوي الأنساب أولى من مولى الموالاة ، ومتى فقد النسب عاد ميراث المعاقدة والولاء . وقال جابر بن زيد في قوله : ( ليستأذنكم الذين ملكت أيمانكم والذين لم يبلغوا الحلم منكم ) : " أبناءهم الذين عقلوا ولم يبلغوا الحلم من الغلمان والجواري يستأذنون على آبائهم قبل صلاة الفجر وحين يقيلون ويخلون وبعد صلاة العشاء - وهي العتمة - فإذا بلغوا الحلم استأذنوا كما استأذن الذين من قبلهم ، إخوانهم إذا كانوا رجالا ونساء لا يدخلون على آبائهم إلا بإذن ساعة يدخلون أي ساعة كانت " . وروي ابن جريج عن مجاهد : ( ليستأذنكم الذين ملكت أيمانكم ) قال : " عبيدكم " ( والذين لم يبلغوا الحلم منكم ثلاث مرات ) قال : " من أحراركم " ، وروي عن عطاء مثله . وأنكر بعضهم هذا التأويل ، لأن العبد البالغ بمنزلة الحر البالغ في تحريم النظر إلى مولاته ، فكيف يجمع إلى الصبيان الذين هم غير مكلفين ! قال : فالأظهر أن يكون المراد العبيد الصغار والإماء وصغارنا الذين لم يبلغوا الحلم . وقد روي عن ابن عباس أنه كان يقرأ : " ليستأذنكم الذين لم يبلغوا الحلم مما ملكت أيمانكم " . وقال سعيد بن جبير والشعبي : " هذا مما تهاون به الناس وما نسخت " . وقال أبو قلابة : " ليس بواجب وهو كقوله تعالى : ( وأشهدوا إذا تبايعتم ) [ البقرة : 282 ] " . وقال القاسم بن محمد : " يستأذن عند كل عورة ، ثم هو طواف بعدها " ، يعني أنه يستأذن عند أوقات الخلوة والتفضل في الثياب وطرحها وهو طواف بعدها لأنها أوقات الستر ، ولا يستطيع الخادم والغلام والصبي الامتناع من الدخول كما قال النبي صلى الله عليه وسلم في الهرة : " إنها من الطوافين عليكم والطوافات " يعني أنه لا يستطاع الامتناع منها . وروي أن رجلا قال لعمر : استأذن على أمي ؟ قال : نعم ، وكذلك قال ابن عباس وابن مسعود . فصل قوله تعالى : ( والذين لم يبلغوا الحلم منكم ) يدل على بطلان قول من جعل حد البلوغ خمس عشرة سنة إذا لم يحتلم قبل ذلك لأن ، الله تعالى لم يفرق بين من بلغها وبين من قصر عنها بعد أن لا يكون قد بلغ الحلم . وقد روي عن النبي صلى الله عليه وسلم من جهات كثيرة : " رفع القلم عن ثلاثة : عن النائم حتى يستيقظ وعن المجنون حتى يفيق وعن الصبي حتى يحتلم " . ولم يفرق بين من بلغ خمس عشرة سنة وبين من لم يبلغها . وأما حديث ابن عمر : " أنه عرض على النبي صلى الله عليه وسلم يوم أحد وله أربع عشرة سنة فلم يجز وعرض عليه