الجصاص

373

أحكام القرآن

المحدود في القذف لا يلاعن وجب مثله في سائر من ليس هو من أهل الشهادة ، إذ لم يفرق أحد بينهما لأن كل من لا يوجب اللعان على المحدود لا يوجبه على من ذكرنا . ووجه آخر من دلالة الآية ، وهو قوله تعالى : ( ولم يكن لهم شهداء إلا أنفسهم ) ، فلا يخلو المراد به من أن يكون الأيمان فحسب من غير اعتبار معنى الشهادة فيه أو أن يكون إيمانا ليعتبر فيها معنى الشهادة على ما تقوله ، فلما قال تعالى : ( ولم يكن لهم شهداء إلا أنفسهم ) علمنا أنه أراد أن يكون الملاعن من أهل الشهادة ، إذ غير جائز أن يكون المراد ولم يكن لهم حالفون إلا أنفسهم ، إذ كل أحد لا يحلف إلا على نفسه ولا يجوز إحلاف الانسان عن غيره ، ولو كان المعنى ولم يكن لهم حالفون إلا أنفسهم لاستحال وزالت فائدته ، فثبت أن المراد أن يكون الشاهد في ذلك من أهل الشهادة وإن كان ذلك يمينا . ويدل على ذلك قوله تعالى : ( فشهادة أحدهم أربع شهادات بالله ) ، فلم يخل المراد من أن يكون الإتيان بلفظ الشهادة في هذه الأيمان أو الحلف من كل واحد منهم سواء كان بلفظ الشهادة أو بغيرها بعد أن يكون حلفا ، فلما كان قول القائل بجواز قبول اليمين منهما على أي وجه كانت كان مخالفا للآية وللسنة لأن الله تعالى قال : ( فشهادة أحدهم أربع شهادات بالله ) كما قال تعالى : ( واستشهدوا شهيدين من رجالكم ) [ البرة : 282 ] وقال : ( فاستشهدوا عليهن أربعة منكم ) [ النساء : 15 ] ولم يجز الاقتصار على الإخبار دون إيراده بلفظ الشهادة ، وكذلك فعل النبي صلى الله عليه وسلم حين لاعن بين الزوجين أمرهما باللعان بلفظ الشهادة ولم يقتصر على لفظ اليمين دونها ، ولما كان ذلك كذلك علمنا أن شرط هذه الأيمان أن يكون الحالف بها من أهل الشهادة ويلاعنان . فإن قيل : الفاسق والأعمى ليسا من أهل الشهادة ويلاعنان . قيل له : الفاسق من أهل الشهادة من وجوه ، أحدها : أن الفسق الموجب لرد الشهادة قد يكون طريقه الاجتهاد في الرد والقبول . والثاني : إنه غير محكوم ببطلان شهادته إذ الفسق لا يجوز أن يحكم به الحاكم ، فلما لم تبطل شهادته من طريق الحكم لم يخرج من أن يكون من أهل الشهادة . والثالث : أن فسقه في حال لعانه غير متيقن ، إذ جائز أن يكون تائبا فيما بينه وبين الله تعالى فيكون عدلا مرضيا عند الله ، وليس هذه الشهادة يستحق بها على الغير فترد من أجل ما علم من ظهور فسقه بديا ، فلم يمنع فسقه من قبول لعانه وإن كان من شرطه كونه من أهل الشهادة ، وليس كذلك الكفر لأن الكافر لو اعتقد الاسلام لم يكن مسلما إلا بإظهاره إذا أمكنه ذلك فكان حكم كفره باقيا مع اعتقاده لغيره ما لم يظهر الاسلام ، وأيضا فإن العدالة إنما تعتبر في الشهادة التي يستحق بها على الغير فلا يحكم بها للتهمة ، والفاسق إنما ردت شهادته في الحقوق للتهمة ، واللعان لا تبطله التهمة ، فلم يجب اعتبار