الجصاص

36

أحكام القرآن

تقوم ) [ الطور : 48 ] ، فلما نزل ذلك وأمر بالتسبيح عند القيام إلى الصلاة ترك الأول ، وهذا قول أبي حنيفة ومحمد . وقال أبو يوسف : " يجمع بينهما لأنهما قد رويا جميعا " . قوله تعالى : ( إن صلاتي ) يجوز أن يريد بها صلاة العيد ( ونسكي ) الأضحية ، لأنها تسمى نسكا ، وكذلك كل ذبيحة على وجه القربة إلى الله تعالى فهي نسك ، قال الله تعالى : ( ففدية من صيام أو صدقة أو نسك ) [ البقرة : 196 ] ، وقال النبي صلى الله عليه وسلم : " النسك شاة " ، وقال رسول الله صلى الله عليه وسلم في يوم النحر : " إن أول نسكنا في يومنا هذا الصلاة ثم الذبح " فسمى الصلاة والذبح جميعا نسكا ، ولما قرن النسك إلى الصلاة دل على أن المراد صلاة العيد والأضحية ، وهذا يدل على وجوب الأضحية لقوله تعالى : ( وبذلك أمرت ) والأمر يقتضي الوجوب . وقوله تعالى : ( وأنا أول المسلمين ) قال الحسن وقتادة : " أول المسلمين من هذه الأمة " . قوله عز وجل : ( ولا تكسب كل نفس إلا عليها ) ، يحتج به في امتناع جواز تصرف أحد على غيره إلا ما قامت دلالته ، لإخبار الله تعالى أن أحكام أفعال كل نفس متعلقة بها دون غيرها ، فيحتج بعمومه في امتناع جواز تزويج البكر الكبيرة بغير إذنها وفي بطلان الحجر على امتناع جواز بيع أملاكه عليه وفي جواز تصرف البالغ العاقل على نفسه وإن كان سفيها ، لإخبار الله تعالى باكتساب كل نفس على نفسه وفي نظائر ذلك من المسائل . وقوله تعالى : ( ولا تزر وازرة وزر أخرى ) ، إخبار بأن الله تعالى لا يؤاخذ أحدا بذنب غيره ، وأنه لا يعذب الأبناء بذنب الآباء . وقد احتجت عائشة في رد قول من تأول ما روي عن النبي صلى الله عليه وسلم " إن الميت ليعذب ببكاء أهله عليه " فقالت : قال الله تعالى : ( ولا تزر وازرة وزر أخرى ) وإنما مر النبي صلى الله عليه وسلم بيهودي يبكى عليه فقال : " إنه ليعذب وهم يبكون عليه " ، وقد بينا وجه ذلك في غير هذا الموضع . وقيل : إن أصله الوزر والملجأ ، من قوله : ( كلا لا وزر ) [ القيامة : 11 ] ولكنه جرى في الأغلب على الإثم وشبه بمن التجأ إلى غير ملجأ ، ويقال وزر يزر ووزر يوزر ووزر يوزر فهو موزور ، وكله بمعنى الإثم ، والوزير بمعنى الملجأ ، لأن الملك يلجأ إليه في الأمور . والله أعلم بالصواب .