الجصاص
31
أحكام القرآن
العلم به منسد والحكم ببطلانه واجب . فإن قيل : فلم دعوا للشهادة حتى إذا شهدوا لم تقبل منهم ؟ قيل : لأنهم لم يشهدوا على هذا الوجه الذي يرجع من قولهم فيه إلى ثقة ، وقيل إنهم كلفوا شهداء من غيرهم ممن تثبت بشهادته صحة . ونهي عن اتباع الأهواء المضلة . واعتقاد المذاهب بالهوى يكون من وجوه ، أحدها : هوى من سيق إليه ، وقد يكون لشبهة حلت في نفسه مع زواجر عقله عنها ، ومنها هوى ترك الاستقصاء للمشقة ، ومنها هوى ما جرت به عادته لألفة له ، وكل ذلك متميز مما استحسنه بعقله . قوله تعالى : ( ولا تقتلوا أولادكم من إملاق ) . كانت العرب تدفن أولادها أحياء البنات منهن خوف الإملاق ، وهو الإفلاس ، ومنه حديث النبي صلى الله عليه وسلم : " أعظم الذنوب أن تجعل لله ندا وهو خلقك ، وأن تقتل ولدك خشية أن تأكل معك ، وأن تزني بحليلة جارك " . وهي الموءودة التي ذكرها الله تعالى في قوله : ( وإذا الموءودة سئلت بأي ذنب قتلت ) [ التكوير : 8 و 9 ] فنهاهم الله عن ذلك مع ذكر السبب الذي كانوا من أجله يقتلونهم ، وأخبر أنه رازقهم ورازق أولادهم . قوله تعالى : ( ولا تقربوا الفواحش ما ظهر منها وما بطن ) قال ابن عباس : ما ظهر منها نكاح حلائل الأبناء والجمع بين الأختين ونحو ذلك ، وما بطن الزنا . وقوله تعالى : ( ولا تقتلوا النفس التي حرم الله إلا بالحق ) . قال أبو بكر : روي عن النبي صلى الله عليه وسلم أنه قال : " أمرت أن أقاتل الناس حتى يقولوا لا إله إلا الله فإذا قالوها عصموا مني دماءهم وأموالهم إلا بحقها وحسابهم على الله " . ولما أراد أبو بكر قتال ما نعي الزكاة قالوا له : إن النبي صلى الله عليه وسلم قال : " أمرت أن أقاتل الناس حتى يقولوا لا إله إلا الله فإذا قالوها عصموا مني دماءهم وأموالهم إلا بحقها " فقال أبو بكر : هذا من حقها ، لو منعوني عقالا مما كانوا يؤدونه إلى رسول الله صلى الله عليه وسلم لقاتلتهم عليه . وقال النبي صلى الله عليه وسلم : " لا يحل دم امرئ مسلم إلا بإحدى ثلاث : زنا بعد إحصان وكفر بعد إيمان وقتل نفس بغير نفس " ، وهذا عندنا ممن يستحق القتل ويتقرر عليه حكمه . وقد يجب قتل غير هؤلاء على وجه الدفع ، مثل قتل الخوارج ومن قصد قتل رجل وأخذ ماله فيجوز قتله على جهة المنع من ذلك ، لأنه لو كف عن ذلك لم يستحق القتل . قوله تعالى : ( ولا تقربوا مال اليتيم إلا بالتي هي أحسن ) . إنما خص اليتيم بالذكر فيما أمرنا به من ذلك لعجزه عن الانتصار لنفسه ومنع غيره عن ماله ، ولما كانت الأطماع