الجصاص

32

أحكام القرآن

تقوى في أخذ ماله أكد النهي عن أخذ ماله بتخصيصه بالذكر . وقوله تعالى : ( إلا بالتي هي أحسن ) يدل على أن من له ولاية على اليتيم يجوز له دفع مال اليتيم مضاربة ، وأن يعمل به هو مضاربة فيستحق ربحه إذا رأى ذلك أحسن ، وأن يبضع ويستأجر من يتصرف ويتجر في ماله ، وأن يشتري ماله من نفسه إذا كان خيرا لليتيم ، وهو أن يكون ما يعطى اليتيم أكثر قيمة مما يأخذه منه . وأجاز أبو حنيفة شراه مال اليتيم لنفسه إذا كان خيرا لليتيم بهذه الآية ، وقال تعالى : ( حتى يبلغ أشده ) ولم يشرط البلوغ ، فدل على أنه بعد البلوغ يجوز أن يحفظ عليه ماله إذا لم يكن مأنوس الرشد ولا يدفعه إليه ، ويدل على أنه إذا بلغ أشده لا يجوز له أن يفوت ماله سواء آنس منه الرشد أو لم يؤنس رشده بعد أن يكون عاقلا ، لأنه جعل بلوغ الأشد نهاية لإباحة قرب ماله . ويدل على أن الوصي لا يجوز له أن يأكل من مال اليتيم فقيرا كان أو غنيا ويستقرض منه ، لأن ذلك ليس بأحسن ولا خيرا لليتيم . وجعل أبو حنيفة بلوغ الأشد خمسا وعشرين سنة فإذا بلغها دفع إليه ماله ما لم يكن معتوها ، وذلك لأن طريق ذلك اجتهاد الرأي وغالب الظن ، فكان عنده أن هذه السن متى بلغها كان بالغا أشدة . وقد اختلف في بلوغ الأشد ، فقال عامر بن ربيعة وزيد بن أسلم " هو بلوغ الحلم " . وقال السدي : " هو ثلاثون سنة " . وقيل : " ثماني عشرة سنة " . وجعله أبو حنيفة خمسا وعشرين سنة على النحو الذي ذكرنا . وقيل : إن الأشد واحدها شد وهو قوة الشباب عند ارتفاعه ، وأصله من شد النهار وهو قوة الضياء عند ارتفاعه ، قال الشاعر : * تطيف به شد النهار ظعينة * طويلة أنقاء اليدين سحوق قوله تعالى : ( وأوفوا الكيل والميزان بالقسط لا نكلف نفسا إلا وسعها ) . فيه أمر بإيفاء الحقوق على الكمال ، ولما كان الكيل والوزن يتعذر فيهما التحديد بأقل القليل علمنا أنه لم يكلفنا ذلك وإنما كلفنا الاجتهاد في التحري دون حقيقة الكيل والوزن ، وهذا أصل في جواز الاجتهاد في الأحكام وأن كل مجتهد مصيب وإن كانت الحقيقة المطلوبة بالاجتهاد واحدة ، لأنا قد علمنا أن للمقدار المطلوب من الكيل حقيقة معلومة عند الله تعالى قد أمرنا بتحريها والاجتهاد فيها ولم يكلفنا إصابتها ، إذا لم يجعل لنا دليلا عليها ، فكان كل ما أدانا إليه اجتهادنا من ذلك فهو الحكم الذي تعبدنا به . وقد يجوز أن يكون ذلك قاصرا عن تلك الحقيقة أو زائدا عليها ، ولكنه لما لم يجعل لنا سبيلا إليها أسقط حكمها عنا . ويدلك على أن تلك الحقيقة المطلوبة غير مدركة يقينا أنه قد يكال أو يوزن ثم يعاد عليه الكيل أو الوزن فيزيد أو ينقص لا سيما فيما كثر مقداره ، ولذلك قال الله تعالى : ( لا يكلف الله نفسا إلا وسعها ) [ البقرة : 286 ] في هذا الموضع ، يعني أنه ليس