الجصاص
269
أحكام القرآن
وكذلك كانت صلاة رسول الله صلى الله عليه وسلم . وعن الأسود وعلقمة قالا : " التهجد بعد النوم " . والتهجد في اللغة السهر للصلاة أو لذكر الله ، والهجود النوم ، وقيل : التهجد التيقظ بما ينفي النوم . وقوله : ( نافلة لك ) قال مجاهد : " وإنما كانت نافلة للنبي صلى الله عليه وسلم لأنه قد غفر له ما تقدم من ذنبه وما تأخر ، فكانت طاعاته نافلة أي زيادة في الثواب ولغيره كفارة لذنوبه " . وقال قتادة : نافلة : تطوعا وفضيلة " . وروى سليمان بن حيان قال : حدثنا أبو غالب قال : حدثنا أبو أمامة قال : " إذا وضعت الطهور مواضعه فعدت مغفورا ، وإن قمت تصلي كانت لك فضيلة وأجرا ، فقال له رجل : يا أبا أمامة أرأيت إن قام يصلي يكون له نافلة ؟ قال : لا إنما النافلة للنبي صلى الله عليه وسلم ، كيف يكون ذلك نافلة وهو يسعى في الذنوب والخطايا يكون لك فضيلة وأجرا ! " فمنع أبو أمامة أن تكون النافلة لغير النبي صلى الله عليه وسلم . وقد روى عبد الله بن الصامت عن أبي ذر قال : قال رسول الله صلى الله عليه وسلم : " كيف أنت إذا كانت عليك أمراء يؤخرون الصلاة ؟ " قال قلت : فما تأمرني ؟ قال : " صل الصلاة لوقتها فإن أدركتهم فصلها معهم لك نافلة " . وروى قتادة عن شهر بن حوشب عن أبي أمامة أن رسول الله صلى الله عليه وسلم قال : " الوضوء يكفر ما قبله ثم تصير الصلاة نافلة " قيل له : أنت سمعت هذا من رسول الله صلى الله عليه وسلم ؟ قال : نعم ، غير مرة ولا مرتين ولا ثلاث ولا أربع ولا خمس . فأثبت النبي صلى الله عليه وسلم بهذين الخبرين النافلة لغيره ، والنافلة هي الزيادة بعد الواجب وهي التطوع والفضيلة ، ومنه النفل في الغنيمة وهو ما يجعله الإمام لبعض الجيش زيادة على ما يستحقه من سهامها ، بأن يقول : من قتل قتيلا فله سلبه ومن أخذ شيئا فهو له . قوله تعالى : ( قل كل يعمل على شاكلته ) ، قال مجاهد : " على طبيعته " . وقيل : " على عادته التي ألفها " . وفيه تحذير من إلف الفساد والمساكنة إليه فيستمر عليه . وقيل : " على أخلاقه " . قال أبو بكر : شاكلته ما يشاكله ويليق به ويشبهه ، فالذي يشاكل الخير من الناس الخير والصلاح والذي يشاكل الشرير الشر والفساد ، وهو كقوله : ( الخبيثات للخبيثين ) [ النور : 26 ] يعني : الخبيثات من الكلام للخبيثين من الناس ، ( والطيبات للطيبين ) [ النور : 26 ] يعني : الطيبات من الكلام للطيبين من الناس . ويروى أن عيسى عليه السلام مر بقوم فكلموه بكلام قبيح ورد عليهم ردا حسنا ، فقيل له في ذلك ، فقال : " إنما ينفق كل انسان ما عنده " . قوله تعالى : ( ويسألونك عن الروح قل الروح من أمر ربي ) . اختلف في الروح الذي سألوا عنه ، فروي عن ابن عباس : " أنه جبريل " . وروي عن علي : " أنه ملك من الملائكة له سبعون ألف وجه لكل وجه سبعون ألف لسان يسبح الله بجميع ذلك " . وقيل : " إنما أراد روح الحيوان " ، وهو ظاهر الكلام . قال قتادة : " الذي سأله عن ذلك قوم من