الجصاص

270

أحكام القرآن

اليهود " . وروح الحيوان جسم رقيق على بنية حيوانية في كل جزء منه حياة ، وفيه خلاف بين أهل العلم ، وكل حيوان فهو روح ، إلا أن منهم من الأغلب عليه الروح ومنهم من الأغلب عليه البدن . وقيل : إنه لم يجبهم لأن المصلحة في أن يوكلوا إلى ما في عقولهم من الدلالة عليها للارتياض باستخراج الفائدة . وروي في كتابهم أنه إن أجاب عن الروح فليس بنبي ، فلم يجبهم الله عز وجل مصداقا لما في كتابهم . والروح قد يسمى به أشياء ، منها القرآن ، قال الله تعالى : ( وكذلك أوحينا إليك روحا من أمرنا ) [ الشورى : 52 ] سماه روحا تشبيها بروح الحيوان الذي به يحيا . والروح الأمين جبريل ، وعيسى ابن مريم سمي روحا على نحو ما سمي به من القرآن . وقوله : ( قل الروح من أمر ربي ) أي من الأمر الذي يعلمه ربي . وقوله تعالى : ( وما أوتيتم من العلم إلا قليلا ) يعني : ما أعطيتم من العلم المنصوص عليه إلا قليلا من كثير بحسب حاجتكم إليه ، فالروح من المتروك الذي لا يصلح النص عليه للمصلحة . وقد دلت هذه الآية على جواز ترك جواب السائل عن بعض ما يسأل عنه لما فيه من المصلحة في استعمال الفكر والتدبر والاستخراج ، وهذا في السائل الذي يكون من أهل النظر واستخراج المعاني ، فأما إن كان مستفتيا قد بلي بحادثة احتاج إلى معرفة حكمها وليس من أهل النظر فعلى العالم بحكمها أن يجيبه عنها بما هو حكم الله عنده . قوله تعالى : ( قل لئن اجتمعت الإنس والجن على أن يأتوا بمثل هذا القرآن ) الآية . فيه الدلالة على إعجاز القرآن ، فمن الناس من يقول : " إعجازه في النظم على حياله وفي المعاني وترتيبها على حياله " ، ويستدل على ذلك بتحديه في هذه الآية العرب والعجم والجن والإنس ، ومعلوم أن العجم لا يتحدون فيه من طريق النظم فوجب أن يكون التحدي لهم من جهة المعاني وترتيبها على هذا النظام دون نظم الألفاظ . ومنهم من يأبى أن يكون إعجازه إلا من جهة نظم الألفاظ والبلاغة في العبارة ، فإنه يقول : إن إعجاز القرآن من وجوه كثيرة ، منها حسن النظم وجودة البلاغة في اللفظ والاختصار وجمع المعاني الكثيرة في الألفاظ اليسيرة مع تعريه من أن يكون فيه لفظ مسخوط أو معنى مدخول ولا تناقض ولا اختلاف تضاد ، وجميعه في هذه الوجوه جار على منهاج واحد ، وكلام العباد لا يخلو إذا طال من أن يكون فيه الألفاظ الساقطة والمعاني الفاسدة والتناقض في المعاني . وهذه المعاني التي ذكرنا من عيوب الكلام موجودة في كلام الناس من أهل سائر اللغات لا يختص باللغة العربية دون غيرها ، فجائز أن يكون التحدي