الجصاص

242

أحكام القرآن

لا يستحق الأجر إن خدمه لأنها مستحقة عليه بغير الإجارة . قوله تعالى : ( ضرب الله مثلا عبدا مملوكا لا يقدر على شيء ) روي عن ابن عباس وقتادة : " أنه مثل ضرب للكافر الذي لا خير عنده والمؤمن الذي يكتسب الخير " ، وقال الحسن ومجاهد : " هو مثل ضرب لعبادتهم الأوثان التي لا تملك شيئا والعدول عن عبادة الله الذي يملك كل شيء " . قال أبو بكر : قد حوت هذه الآية ضروبا من الدلالة على أن العبد لا يملك ، أحدها : قوله : ( عبدا مملوكا ) نكرة ، فهو شائع في جنس العبيد ، كقول القائل : لا تكلم عبدا وأعط هذا عبدا ، أن ذلك ينتظم كل من يسمى بهذا الاسم ، وكذلك قوله : ( يتيما ذا مقربة أو مسكينا ذا متربة ) [ البلد : 15 و 16 ] ، فكل من لحقه هذا الاسم قد انتظمه الحكم إذ كان لفظا منكورا ، كذلك قوله : ( عبدا مملوكا ) قد انتظم سائر العبيد . ثم قال : ( لا يقدر على شيء ) ، لا يخلو من أن يكون المراد نفي القدرة أو نفي الملك أو نفيهما ، ومعلوم أنه لم يرد به نفي القدرة إذ كان العبد والحر لا يختلفان في القدرة من حيث اختلفا في الرق والحرية ، لأن العبد قد يكون أقدر من الحر ، فعلمنا أنه لم يرد به نفي القدرة ، فثبت أنه أراد نفي الملك ، فدل على أن العبد لا يملك . ووجه آخر : وهو أنه تعالى جعله مثلا للأصنام فشبهها بالعبيد المملوكين في نفي الملك ، ومعلوم أن الأصنام لا تملك شيئا ، فوجب أن يكون من ضرب المثل به لا يملك شيئا وإلا زالت فائدة ضرب المثل به ، وكان يكون حينئذ ضرب المثل بالعبد الحر سواء . وأيضا لو أراد عبدا بعينه لا يملك شيئا وجاز أن يكون من العبيد من يملك لقال : ضرب الله مثلا رجلا لا يقدر على شيء ، فلما خص العبد بذلك دل على أن وجه تخصيصه أنه ليس ممن يملك . فإن قيل : روى إبراهيم عن عكرمة عن يعلى بن منية عن ابن عباس في هذه الآية : أنها نزلت في رجل من قريش وعبده ثم أسلما ، فنزلت الأخرى في رجلين أحدهما أبكم لا يقدر على شيء إلى قوله ( صراط مستقيم ) ، قال : كان مولى لعثمان وكان عثمان يكفله وينفق عليه ، الذي ينفق بالعدل وهو على صراط مستقيم ، والآخر أبكم ، وهذا يوجب أن يكون في عبد بعينه ، وقد يجوز أن يكون في العبيد من لا يملك شيئا كما يكون في الأحرار من لا يملك . قيل له : هذه الرواية ضعيفة عن ابن عباس ، وظاهر اللفظ ينفيها ، لأنه لو أراد عبدا بعينه لعرفه بالألف واللام ولم يذكره بلفظ منكور . وأيضا معلوم أن الخطاب في ذكر عبدة الأوثان والاحتجاج عليهم ، ألا ترى إلى قوله : ( ويعبدون من دون الله مالا يملك لهم رزقا من السماوات والأرض شيئا ولا يستطيعون فلا تضربوا لله الأمثال ) ثم قال : ( ضرب الله مثلا عبدا مملوكا لا يقدر على شيء ) فأخبر أن مثل ما