الجصاص

243

أحكام القرآن

يعبدون مثل العبيد المماليك الذين لا يملكون شيئا ولا يستطيعون أن يملكوا تأكيدا لنفي أملاكهم ، ولو كان المراد عبدا بعينه وكان ذلك العبد ممن يجوز أن يملك ، ما كان بينه وبين الحر فرق وكان تخصيصه العبد بالذكر لغوا ، فثبت أن المعنى فيه نفي ملك العبيد رأسا . فإن قيل : فقد قال : ( وضرب الله مثلا رجلين أحدهما أبكم لا يقدر على شيء وهو كل على مولاه ) ولم يدل على أن الأبكم لا يملك شيئا . قيل له : إنما أراد به عبدا أبكم ، ألا ترى إلى قوله : ( وهو كل على مولاه أينما يوجهه لا يأت بخير ) فذكر المولى وتوجيهه يدل على أن المراد العبد ، كأنه ذكر أولا عبدا غير أبكم وجعله مثلا للصنم في نفي الملك ، ثم زاده نقصا بقوله : ( أبكم لا يقدر على شيء وهو كل على مولاه أينما يوجهه لا يأت بخير ) ، فدل على أنه أراد عبدا أبكم مبالغة في وصف الأصنام بالنقص وقلة الخير وأنه مملوك متصرف فيه . فإن قيل : أراد بقوله : ( وهو كل على مولاه ) ابن عمه ، لأن ابن العم يسمى مولى . قيل له : هذا خطأ ، لأن ابن العم لا تلزمه نفقة ابن عمه ولا أن يكون كلا عليه وليس له توجيهه في أموره ، فلما ذكر الله تعالى هذين المعنيين للأبكم روى علمنا أنه لم يرد به الحر الذي له ابن عم وأنه أراد عبدا مملوكا أبكم ، وعلى أنه لا معنى لذكر ابن العم ههنا ، لأن الأب والأخ والعم أقرب إليه من ابن العم وأولى به ، فحمله على ابن العم يزيل فائدته . وأيضا فإن المولى إذا أطلق يقتضي مولى الرق أو مولى النعمة ولا يصرف إلى ابن العم إلا بدلالة . فإن قيل : لا يجوز أن يكون المراد الأصنام لأنه قال عبدا مملوكا ولا يقال ذلك للصنم . قيل له : قد أغفلت موضع الدلالة ، لأنه إنما ذكر عبدا مملوكا لنا وجعله مثلا للأصنام التي كانوا يعبدونها وأخبر أنه بمنزلة مماليكنا الذين لا يملكون شيئا ، فكما أن الصنم لا يملك بحال كذلك العبد ، وعلى أن الله تعالى قد سمى الأصنام عبادا بقوله : ( إن الذين تدعون من دون الله عباد أمثالكم ) [ الأعراف : 195 ] . وقد اختلف الفقهاء في ملك العبد ، فقال أصحابنا والشافعي ، " العبد لا يملك ولا يتسرى " . وقال مالك : " يملك ويتسرى " . وقد روى أبو حنيفة قال : حدثنا إسماعيل بن أمية المكي عن سعيد بن أبي سعيد المقبري عن ابن عمر قال : " لا يحل فرج المملوك إلا لمن إن باع أو وهب أو تصدق أو أعتق جاز " يعني بذلك المملوك ، وكذلك روى يحيى بن سعيد عن عبيد الله عن نافع عن ابن عمر . وروي عن إبراهيم وابن سيرين والحكم : " أن العبد لا يتسرى " . وروي عن ابن عباس : " أن العبد يتسرى " ، وروى يعمر